لم يكن انعقاد مجلس الشعب السوري
الجديد بتاريخ 12 تموز الجاري بعد استكمال تشكيله عبر مرحلتين الأولى من خلال
الهيئات الناخبة، والثانية عبر التعيينات الرئاسية مجرد خطوة إجرائية في مسار بناء
مؤسسات المرحلة الانتقالية، بل شكّل أول اختبار سياسي حقيقي لمدى قدرة السلطة
الجديدة على إحداث قطيعة مع الثقافة السياسية التي رسّخها عقود من الاستبداد.
فبعد الإعلان الدستوري المؤقت
وتشكيل الحكومة الانتقالية وإطلاق مؤتمرات الحوار الوطني، تتجه الأنظار إلى مجلس
الشعب رغم التحفظات الجدية على آليات تشكيله ومستوى تمثيل الشعب الكوردي غير العادل
فيه، بوصفه أول مؤسسة يُفترض أن تجسد عملياً شعارات التغيير وتعكس التنوع القومي
والديني والثقافي الذي يميز الشعب السوري.
وتنبع أهمية هذا المجلس من كونه
يتجاوز وظيفته التشريعية التقليدية، ليغدو مؤشراً على طبيعة الدولة التي تتشكل في
سوريا الجديدة. فطريقة إدارة التعددية وآليات التمثيل ومفهوم الشراكة الوطنية ليست
تفاصيل إجرائية، بل معايير أساسية للحكم على مدى انتقال البلاد من دولة الهيمنة
والإقصاء إلى الدولة التعددية والمواطنة وسيادة القانون والنظام الديمقراطي. ولهذا
فإن المجلس يشكل مرآة تعكس قدرة القوى السياسية الفاعلة على تجاوز إرث الاستبداد
والاحادية في مقاربة قضايا الهوية والتعددية القومية والمواطنة.
ومن هنا يغدو مجلس الشعب اختباراً
لمصداقية خطاب المرحلة الانتقالية. فنجاحها لا يُقاس بعدد المؤسسات التي أُنشئت
ولا بالتشريعات التي صدرت على أهميتها، وإنما بقدرتها على بناء عقد اجتماعي جديد
يشارك في صياغته جميع السوريين، ويؤسس لدولة الحق والقانون، ويكرّس العدالة
الانتقالية ويعيد الثقة بأن الدولة الجديدة تختلف في بنيتها وثقافتها وممارساتها
عن النظام السابق الذي ثار عليه السوريون. وبهذا المعنى يتحول المجلس إلى معيار
يقاس به مدى جدية التحول الديمقراطي.
لقد قدّم السوريون طوال سنوات
الثورة، تضحيات جسيمة واعتبروا بانئ إسقاط الاستبداد يمثل الأولوية الوطنية. غير
أن ما كان مبرراً في زمن الثورة لا يمكن أن يتحول إلى نهج دائم في إدارة الدولة.
فاستمرار تأجيل القضايا الكبرى وفي
مقدمتها الشراكة الوطنية الفعلية والاعتراف بالتعددية القومية والثقافية، لم يعد
يسهم في حماية المرحلة الانتقالية وضرورة انجاحها، بل يهدد بإضعافها وتقويض الثقة
بها.
ولم تكن هذه المبادئ غائبة عن
وثائق قوى الثورة والمعارضة، التي أكدت بوضوح أن سوريا دولة متعددة القوميات
والأديان والثقافات، تقوم على نظام جمهوري ديمقراطي، وتعتمد شكلاً من اللامركزية (لامركزية
موسعة. فيدرالية) يضمن المشاركة الفعلية لجميع السوريين في إدارة شؤون بلادهم. وقد
شكّل هذا التصور أحد أهم مرتكزات الإجماع الوطني خلال سنوات الثورة، باعتباره
الضمانة الوحيدة لبناء دولة مستقرة تتسع لجميع أبنائها.
غير أن حصيلة الأشهر الثمانية عشر
الماضية تستدعي مراجعة سياسية هادئة ومسؤولة. فقد شهدت البلاد أحداثاً مؤلمة في
الساحل والسويداء لازالت تخيم بظلالها في كلتا المنطقتين، كما لم تباشر الحكومة
يفتح حوار رسمي مع ممثلي الشعب الكوردي في سوريا لإيجاد حل لقضيته، بوصفها أحد
أبرز الاستحقاقات الوطنية التي يجب حلها. وقد أفضى كونفرانس نيسان 2025 إلى بلورة
رؤية كوردية وطنية مشتركة وتشكيل وفد كوردي موحد للحوار مع الحكومة، حيث وفر فرصة
مهمة لإطلاق مسار سياسي لمعالجة هذه القضية ضمن إطار وطني، إلا أن هذا لم يلق حتى
الآن استجابة تتناسب مع أهميته. وفي المقابل انصب الاهتمام الرسمي على ترتيبات دمج
قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة، وهي خطوة ضرورية لتعزيز الاستقرار عبر
الالتزام بالاتفاقيات المبرمة بين الجانبين، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن
معالجة القضية الكوردية باعتبارها قضية سياسية ودستورية تتعلق بالاعتراف بحقوق
الشعب الكوردي كشريك أصيل في الوطن. وفي هذا السياق فأن المرسوم التشريعي رقم 13
يمثل خطوة إيجابية تستحق التقدير لكنه ينبغي أن يكون مدخلاً لمسار دستوري وسياسي
أشمل، لا أن يتحول إلى سقف نهائي لمعالجة هذه الأمر.
إن إبقاء القضايا الوطنية دون خطط
واضحة وشفافة لايجاد حلول عملية عمّق الشكوك وفتح المجال أمام تنامي الهواجس. حيث
تؤكد هذه الوقائع أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق عبر المقاربات الأمنية وحدها، بل
يحتاج إلى رؤية سياسية تعالج جذور الأزمة، وتؤسس لشراكة وطنية حقيقية بين جميع
السوريين.
ومن هذا المنطلق، يُفترض أن يشكل
مجلس الشعب الحالي الإطار الطبيعي للحوار الوطني حول مختلف القضايا، بعيداً عن
منطق التمثيل الشكلي الذي طبع مجلس شعب نظام الأسد المخلوع. فالمطلوب ليس مجرد
حضور رمزي للمكونات الوطنية، بل توفير ضمانات دستورية وسياسية تجعل حقوقها جزءاً
لا يتجزأ من العقد الاجتماعي، بما يرسخ الثقة بالدولة ويحول دون إعادة إنتاج
الإقصاء بصيغ جديدة.
غير أن الجلسة الأولى للمجلس، ولاسيما
انتخاب مكتبه الرئاسي، بعثت برسائل مقلقة إلى شريحة واسعة من أبناء الشعب الكوردي.
ولم يكن جوهر الإشكال في نتائج التصويت بحد ذاتها فقط، بل في الدلالة السياسية
التي حملتها. إذ لم يتمكن مرشح كوردي، قدّم نفسه بوصفه سورياً، وثورياً ومعارضاً
دون ذكر انتمائه القومي الكوردي والسياسي، من نيل ثقة أعضاء المجلس الآخرين لاشغال
مركز نائب الرئيس (وهو ما أثار استياءً واسعاً لدى أبناء الشعب الكوردي وعدم ذكره
لانتمائه القومي والسياسي)، وأعاد إلى الواجهة تساؤلات مشروعة حول مدى استعداد بعض
النخب السياسية للانتقال من الإقرار النظري بالتعددية إلى تجسيدها في بنية مؤسسات
الدولة وآليات اتخاذ القرار. لأن الامر لا يتعلق بمنصب أو بموقع بروتوكولي، بقدر
ما تتعلق بالرسائل السياسية التي تبعثها هذه المؤسسة في لحظة تأسيسها لمرحلة مابعد
إسقاط النظام السابق. ففي المراحل الانتقالية تكتسب الرمزية السياسية أهمية لا تقل
عن أهمية النصوص الدستورية، لأنها تسهم في بناء الثقة أو تقويضها وتعكس مدى جدية
تعامل الدولة مع جميع مواطنيها بوصفهم شركاء متساوين في الحقوق والمسؤوليات.
لن تستقر سوريا الجديدة إذا بقيت
التعددية القومية والسياسية مجرد خطاب سياسي أو توصيف ثقافي لا ينعكس في بنية الدولة
ومؤسساتها. فالعرب والكورد والسريان الآشوريون والتركمان وسائر المكونات الوطنية
شركاء متساوون في الوطن، وأي انتقاص من حقوقهم القومية في الدستور، أو التأخير في
بناء نظام ديمقراطي لامركزي حقيقي، لن يضعف هذه المكونات وحدها، بل سيؤخر بناء
الدولة السورية الحديث. كما أن الديمقراطية لا تُختزل في حكم الأكثرية وإنما تقوم
كذلك على حماية حقوق المكونات.



