تبدو حملة الاعتقالات التي شهدتها
بغداد مؤخراً أكثر من مجرد إجراء أمني عابر. فالتوقيت، وطبيعة الأسماء المستهدفة،
وطريقة التنفيذ، كلها تجعل السؤال السياسي حاضراً بقوة: هل نحن أمام بداية جدية
لمحاربة الفساد، أم أمام عملية انتقائية لضرب أطراف أضعف داخل المشهد السياسي
العراقي؟.
من الناحية الشكلية، لا شك أن
الحملة استندت إلى غطاء قانوني وقضائي، وهو ما يمنحها مظهراً رسمياً ويجعلها
مختلفة عن كثير من الإجراءات السابقة التي كانت تُتهم بأنها مجرد استعراض سياسي.
لكن هذا لا يكفي وحده للحكم على جوهرها. فالقانون في العراق كثيراً ما يتحرك داخل
بيئة شديدة التعقيد، حيث تتداخل الاعتبارات القضائية مع حسابات النفوذ والتحالفات
والاصطفافات.
اللافت في هذه الحملة ليس فقط عدد
المعتقلين، بل أيضاً طبيعة من طالتهم. فاستهداف شخصيات سياسية وموظفين يُنظر إليهم
على أنهم أقل حماية أو أضعف نفوذًا يفتح الباب أمام فرضية الانتقائية. وهذه
الفرضية ليست جديدة في العراق، إذ اعتاد الرأي العام أن يرى حملات مكافحة الفساد
تبدأ من الأطراف التي يسهل الوصول إليها، بينما تبقى الشبكات الأكثر قوة وتحالفاً
مع مراكز القرار خارج دائرة المساءلة الفعلية.
هنا تحديداً تبرز الشكوك. فلو
كانت الحملة جزءاً من مشروع إصلاحي حقيقي، فالمفترض أن تتسع لاحقاً لتشمل شبكات
أكبر وأكثر تأثيراً، لا أن تتوقف عند حدود آمنة سياسياً. أما إذا بقيت عند هذا
السقف، فسيصعب إقناع الشارع بأنها حملة عادلة لا حملة تصفية حسابات أو إعادة توزيع
أدوار داخل السلطة.
التوقيت بدوره يضيف طبقة أخرى من
الدلالة. فإطلاق حملة بهذا الحجم قبل إستحقاق سياسي أو خارجي مهم يمنح الحكومة
فرصة لتقديم نفسها بوصفها جادة في فرض القانون. لكن هذه الخطوة قد تحمل أيضاً
رسالة داخلية واضحة: من يملك الغطاء السياسي يمكنه أن يتحرك، ومن لا يملكه يبقى
مكشوفاً. وبذلك تتحول الحملة من مجرد ملف مكافحة فساد إلى أداة لإعادة ترتيب
موازين القوى.
الأكثر أهمية أن مثل هذه
الإجراءات قد تُستخدم أيضاً لتحسين موقع الحكومة في مواجهة الضغوط الخارجية، عبر
إظهار أن الدولة العراقية قادرة على ضبط الداخل وملاحقة المتورطين. غير أن هذا
المكسب، إن صح، يظل هشاً ما لم يُترجم إلى مسار قضائي شفاف لا يقتصر على الأسماء
الضعيفة أو الخاسرة سياسياً.
في المحصلة، تبدو الحملة أقرب إلى
خطوة مركبة: لها أساس قانوني، لكنها تحمل في الوقت نفسه حسابات سياسية واضحة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا حدثت الآن؟ بل أيضاً: إلى أين ستصل؟ فإذا
بقيت محصورة في الحلقة الأضعف، فسيُقرأ الأمر باعتباره انتقائية سياسية أكثر من
كونه إصلاحاً مؤسسياً. أما إذا امتدت إلى شبكات النفوذ الكبرى، فسيكون ذلك اختباراً
حقيقياً لجدية الدولة في مواجهة الفساد، لا مجرد إدارة جديدة له.



