لمدة سنوات كان خطاب مكافحة الفساد في العراق محصوراً في قاعات المؤتمرات وتقارير تُقرأ ثم تُطوى. الشعارات كانت تتكرر دون أن تلمس جوهر المشكلة وهي شبكات المصالح التي تحمي الفساد الكبير وتتركه ينمو خلف عناوين عامة، ومع رئيس الوزراء علي الزيدي تغيرت المعادلة وانتقل الحديث من مربع التشخيص إلى مربع المواجهة المباشرة. العبارة التي شكلت نقطة تحول في المزاج العام كانت واضحة وحاسمة إنتهى زمن التنبيه وبدأ زمن المحاسبة.
العراق دولة ذات سيادة ومؤسساتها يجب أن تكون أنظف من أي يد تمتد إلى المال العام. من هذه القاعدة انطلقت حملة الزيدي التي وصفها بأنها حرب لا هوادة فيها ضد الفساد. حملة لا تبحث عناوين إعلامية عابرة بل عن فعل رقابي حقي يستهدف الرؤوس الكبيرة التي عبثت بموارد الدولة لسنوات طويلة. الفارق الجوهري في هذه الحملة أنها لم تبدأ من الملفات الصغيرة أو من حالات فردية محدودة بل ذهبت مباشرة إلى قلب المشكلة حيث تتقاطع العقود الوهمية وسرقة المال العام وتجارة المناصب في شبكة واحدة يصعب كسرها إلا بإرادة سياسية ورقابية صلبة.
ما يميز تحرك الزيدي هو الانتقال من لغة العموميات إلى لغة الأسماء والملفات. لطالما كانت مكافحة الفساد عنواناً لكل الحكومات والبرامج الانتخابية لكنها ظلت في معظم الأحيان في إطار التشخيص وتعداد الظواهر. الحملة الحالية أعلنت صراحة أن لا حصانة لفاسد بعد اليوم وأن المعيار الوحيد هو حجم الضرر الذي لحق بالدولة والمواطن وليس حجم المنصب أو النفوذ السياسي. هذه الرسالة وضعت الرؤوس الكبيرة في مرمى مباشر وأنهت مرحلة التستر التي كانت تمنح الفاسدين شعوراً بالأمان.
الإطار القانوني الذي تستند إليه الحملة واضح ولا يحتاج إلى اجتهاد جديد. الدستور العراقي كفل مبدأ سيادة القانون والمساواة أمام القضاء وألزم الدولة بحماية المال العام ومحاسبة كل من يعتدي عليه. قوانين هيئة النزاهة وقانون العقوبات العراقي وقانون من أين لك هذا توفر أدوات قانونية كافية لملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال المهربة وتجريم المتاجرة بالمناصب العامة. المطلوب اليوم هو تفعيل هذه النصوص بصرامة ودون انتقائية حتى تتحول من حبر على ورق إلى أحكام قضائية نافذة تردع كل من تسول له نفسه المساس بثروة الشعب.
الحملة ركزت على أربعة مسارات متداخلة تمثل جوهر الفساد الكبير في المرحلة الحالية. المسار الأول يتعلق بالعقود الوهمية والمشاريع المتلكئة التي استنزفت مليارات الدولارات دون أن ترى النور. المسار الثاني هو ملف سرقة القرن الذي كشف كيف يمكن لأموال الضرائب أن تخرج بسهولة من خزينة الدولة وهو ما يتطلب توسيع التحقيق ليشمل كل من سهل وغطى ووقع. المسار الثالث يتعلق بتجارة المناصب التي تعتبر أم الفساد لأنها تنتج مؤسسات فاسدة من لحظة التعيين الأولى. المسار الرابع هو تهريب المال العام إلى الخارج وهو ما يستدعي تعاوناً قضائياً ودولياً لاسترداد الأموال وتجميد الأرصدة.
ردود الفعل على هذه الحملة كشفت حجم الأزمة وحجم الترقب في الشارع العراقي. هناك فرحة حذرة لدى المواطن الذي سئم من بيانات لا تنتهي إلى نتيجة. وهناك انقسام داخل الوسط السياسي بين من يرى في الحملة تصحيحاً لمسار الدولة ومن يعتبرها استهدافاً انتقائياً. وهناك ارتباك واضح داخل شبكات الفساد التي بدأت تبحث عن مخارج وتسويات بعد أن شعرت أن قاعدة الحماية السياسية لم تعد صامدة كما كانت في السابق.
التحدي الأكبر أمام هذه الحملة ليس في فتح الملفات بل في إكمال المسار حتى النهاية. أي اعتقال أو استقدام يجب أن يتبعه تحقيق سريع وأدلة دامغة وحكم قضائي عادل واسترداد للأموال إلى خزينة الدولة. لأن المواطن اليوم لا يريد أن يسمع عن ملفات مفتوحة بل يريد أن يرى أثراً مباشراً على حياته من مستشفى مكتمل إلى مدرسة مبنية إلى فرصة تعيين لخريج مستحق. كل دينار مسروق هو حق مسلوب من ملايين العراقيين وإعادته هي المعنى الحقي للعدالة.
المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقياً لمدى جدية الدولة في حماية نفسها من الداخل. إما أن تتحول هذه الحملة إلى سابقة راسخة تثبت أن القانون فوق الجميع وأن الرؤوس الكبيرة ليست خارج المساءلة أو أن تتحول إلى فصل جديد من فصول الخطابات التي تبدأ بصخب وتنتهي بهدوء. الفرق هذه المرة أن الشارع لم يعد يمتلك رفاهية الانتظار وأن الرأي العام صار مراقباً لحظياً لأي خطوة تتخذ.
العراق أكبر من الفاسدين وأقوى من شبكات المصالح. والحملة التي بدأها رئيس الوزراء علي الزيدي وضعت الجميع أمام مسؤولية تاريخية وهي أن يختار بين دولة مؤسسات تحاسب ولا تجامل أو دولة مساومات تعيد إنتاج الفساد بأسماء جديدة. المرمى الآن مفتوح والرؤوس الكبيرة في دائرة الضوء والحساب قادم لا محالة.


.jpg&w=3840&q=75)
