في بلدٍ يُفترض أن تكون فيه
الشهادة بوابةً للمستقبل، أصبح كثير من أصحاب الشهادات والطلبة الأوائل أمام سؤالٍ
صعب: ماذا يفعل من تعب سنوات، واجتهد وتفوّق، ثم حصل على شهادته ليجد نفسه واقفاً
في طابور الانتظار، بلا فرصة عمل تليق بطموحه وكفاءته؟.
إن المشكلة لا تكمن في الشهادة
وحدها، ولا في أعداد الخريجين فحسب، بل في شعورٍ يتزايد لدى كثير من الشباب بأن
الفرص لا تصل دائماً إلى مستحقيها، وأن النفوذ والعلاقات قد تفتح أبواباً تبقى
مغلقة أمام من لا يملك سوى شهادته العلمية وكفاءته. وهذا الشعور، حين يتراكم، يترك
آثاراً نفسية واجتماعية واقتصادية، ويجعل سنوات الدراسة الطويلة محاطةً بالقلق
والخوف من مستقبل مجهول.
وفي المقابل، حين يخرج الخريج أو
صاحب الشهادة العليا إلى الشارع للمطالبة بحقه، فإنه لا يبحث عن امتياز خاص، بل عن
فرصة عادلة تضمن له الاستقرار والعيش الكريم. يقف حاملاً ملفه وشهادته، مطالباً
بالتعيين أو الإنصاف أو تطبيق القرارات التي يعتقد أنها تشمل حالته، ليجد نفسه
أحياناً أمام إجراءات أمنية أو صدامات لا تتناسب مع طبيعة مطالبه، الأمر الذي يزيد
من شعوره بالإحباط ويعمّق الفجوة بين المواطن والمؤسسات المعنية.
إن احترام حق التظاهر السلمي
والاستماع إلى مطالب الخريجين ينبغي أن يكونا جزءاً من مسؤولية الدولة في التعامل
مع هذه القضية. فالمطالبات السلمية تستحق الحوار الجاد، ودراسة المطالب، وتوضيح
الإجراءات والقرارات بشفافية، بعيداً عن التصعيد أو الوعود التي لا تجد طريقها إلى
التنفيذ.
وتشير تقديرات عام 2025 إلى أن
معدل البطالة في العراق بلغ نحو 15.5% من إجمالي القوى العاملة، وفق تقديرات منظمة
العمل الدولية، وهو مؤشر على حجم التحديات التي تواجه سوق العمل، والحاجة إلى
اتخاذ خطوات جادة لمعالجة هذه الأزمة. ولا تعكس هذه النسبة وضع الخريجين وحدهم،
لكنها تبرز أهمية توفير فرص عمل حقيقية تستوعب الطاقات البشرية وتحدّ من تفاقم
البطالة.
ومن هنا، فإن معالجة أزمة البطالة
لا يمكن أن تقتصر على التعيينات الحكومية وحدها، بل تتطلب وضع خطط اقتصادية
وتنموية مدروسة تفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب وتمنحهم فرصاً حقيقية للمشاركة في
بناء بلدهم. لذلك، ينبغي دعم القطاعات الزراعية والصناعية والقطاع الخاص، إلى جانب
تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي وتوفير بيئة مناسبة لنمو المشاريع الإنتاجية، بما
يسهم في استيعاب الأعداد الكبيرة من العاطلين عن العمل، ولاسيما الخريجين وأصحاب
الشهادات الذين ينتظرون فرصتهم منذ سنوات.
كما أن إحياء المصانع المتوقفة،
وتطوير الإنتاج الزراعي، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل إجراءات
الاستثمار، من شأنها أن تخلق فرص عمل مستدامة وتقلل الاعتماد على الوظائف الحكومية
بوصفها الخيار الوحيد أمام الخريجين. فالعراق يمتلك ثروات وإمكانات بشرية
واقتصادية كبيرة، ومن الضروري استثمارها بالشكل الصحيح لتحويلها إلى مشاريع منتجة
تسهم في تنويع مصادر الدخل وتحريك عجلة الاقتصاد.
وفي الوقت نفسه، ينبغي الاهتمام
بالطلبة الأوائل وأصحاب الاختصاصات العلمية، ومنحهم الفرص وفق القوانين والمعايير
المعلنة، مع ضمان تكافؤ الفرص والابتعاد عن المحسوبية، حتى يشعر كل مواطن بأن
الكفاءة والاجتهاد هما الأساس في الحصول على الفرصة، لا العلاقات والنفوذ.
إن الشهادة ليست مجرد ورقة تُعلّق
على جدار، بل هي سنوات من التعب والجهد والتضحيات، وأملٌ بنى عليه الطالب مستقبله
ومستقبل أسرته. ومن حق كل خريج أن يرى ثمرة تعبه في فرصة حقيقية تتيح له خدمة بلده
والمساهمة في بنائه.
إن بناء الدولة لا يتحقق
بالشعارات وحدها، بل يتحقق حين يشعر المواطن بأن كفاءته هي معيار الفرصة، وأن
القانون يحمي حقه، وأن صوته يجد من يستمع إليه. فالخريجون ليسوا عبئاً على الدولة،
بل ثروة بشرية ينبغي استثمارها، ومستقبل العراق لن يزدهر إلا حين تتحول طاقات
شبابه من الانتظار إلى العمل والإنتاج والإبداع.


