يندر أن تجد دولة في العالم تواجه
تقاطعات أمنية وسياسية معقدة كالعراق، ومع ذلك تتبنى بانتظام سياسة "إدارة
الأزمات لا حلها". فالتاريخ القريب والبعيد يثبت أن الخطر الأمني في العراق
لا يتولد غالباً من العدم، بل يُصنع ويُهندس في كثير من الأحيان من خلال تجاهل ممنهج
للتحذيرات المبكرة، وترك مساحات جغرافية وبشرية "سائبة" لتتحول تدريجياً
إلى بؤر استنزاف ومنابت للإرهاب.
إن مقولة "ناقوس الخطر"
التي تتكرر مراراً في التحذيرات الأمنية المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها
المشمولة بالمادة (140) من الدستور العراقي، وفي مقدمتها محافظة كركوك بأطرافها
وريفاها، لا تُقابل عادة باستجابة استباقية، بل ببرود إداري وصمت سياسي مقصود، مما
يطرح السؤال الجوهري: هل هو مجرد عجز، أم أن هناك من يجد مصلحة حقيقية في بقاء هذه
الفراغات؟.
تجاهل التحذيرات.. استراتيجية
"غض الطرف"
حين تطلق الأصوات الوطنية
والمحلية تحذيرات متكررة من خطورة الفراغ الأمني في المناطق السائبة ضمن كركوك
والمناطق المتنازع عليها، فإن صانع القرار لا يفتقر إلى المعلومة الاستخبارية، بل
يفتقر إلى الإرادة السياسية. إن تجاهل هذه التحذيرات ليس خطأً عرضياً، بل يُفسر
غالباً بأنه خيار سياسي غير معلن يهدف إلى إبقاء الوضع الأمني في حالة "لا
حرب ولا استقرار".
هذا التجاهل يمنح الخلايا
الإرهابية، ولاسيما بقايا تنظيم داعش، الأوكسجين اللازم للبقاء والتنفس، ويعيد
إنتاج العنف بصيغ متقطعة تضمن بقاء التهديد قائماً دون أن يبلغ حد إسقاط الدولة،
تماماً بالقدر الذي يخدم أجندات أطراف سياسية وحزبية تريد إبقاء الشارع رهينة
للخوف.
الفراغ الأمني بيئة حاضنة لصناعة
النفوذ
في علم إدارة الصراعات،
"الطبيعة تأبى الفراغ". وإبقاء مناطق واسعة دون تنسيق أمني مشترك وحقيقي
بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان في ملف كركوك والمادة 140 يعني خلق
بيئة مثالية لتبادل الاتهامات، والتهرب من المسؤولية، وتمرير الأجندات الضيقة.
عندما تصبح هذه المناطق السائبة
أداة ضغط سياسي وتفاوضي بين الكتل المتصارعة على النفوذ والثروة، يصبح الأمن سلعة
رخيصة في سوق المزايدات. إن استمرار الفراغ يعني بوضوح:
-ديمومة المبررات الأمنية: بقاء الفصائل والتشكيلات
والأحزاب مسيطرة بحجة "حماية المكونات".
-إلهاء المواطن: إبقاء الرأي العام منشغلاً بالدفاع عن
حياته وأمنه اليومي، غارقاً في فجيعة الموت المؤجل، بعيداً عن محاسبة الفاسدين أو
المطالبة بحقوقه الاقتصادية والتنموية.
من ردود الفعل إلى "صناعة
الفوضى"
الخطير في المشهد العراقي ليس فقط
وقوع الهجمات، بل تطبيع التعايش معها. فعندما يتحول الخرق الأمني من "كارثة
يجب منعها" إلى "حدث عابر ضمن النشرة الإخبارية"، فهذا دليل على
نجاح منظومة "إدارة الفوضى".
إن الاكتفاء بردود الفعل المؤقتة،
واستعراضات البيانات بعد وقوع الكارثة، يعكسان بوضوح غياب الرغبة في الحل. فـ
المعالجة الجذرية تعني فرض سلطة القانون، وغلق الثغرات، وإنهاء الانقسامات
الإدارية والأمنية في تلك المناطق، وهو ما قد يسحب البساط من تحت أقدام المستفيدين
من ديمومة التوتر.
إلى متى يستمر الانفجار المؤجل؟
إن المناطق الرخوة والفراغات
الأمنية في كركوك والمناطق المتنازع عليها ليست قدراً محتوماً، بل هي ثمرة مرة
لسياسات التجاهل والتسويف. إن استمرار هذا النهج يعني أن العراق سيبقى يدور في ذات
الساقية حيث تُصنع الأزمات لكي تُدار، لا لكي تُحل.
إن ناقوس الخطر الذي يُدق مراراً
ليس مجرد صرخة استغاثة، بل هو امتحان حقيقي لجدية الدولة في حماية مواطنيها. فإما
أن يُبادر صانع القرار إلى معالجة جذرية تبدأ بالتنسيق المشترك، وإبعاد الأمن عن
الصراعات الحزبية، وإغلاق الثغرات قبل فوات الأوان. وإما أن يظل الجميع بانتظار
"الانفجار المؤجل" الذي لن يستثني أحداً حين يحين وقته لا سامح الله.


