فاز عالما الاقتصاد الأميركيان، روبرت هول ومايكل وودفورد، بجائزة نوبل في الاقتصاد لهذا العام لتحليلهما لكيفية مساهمة السياسات الحكومية وتوقعات الناس وقرارات الأسر في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
لماذا تحجم الأسر عن الإنفاق عندما تخشى انخفاض دخلها؟ لماذا ترفع الشركات ورجال الأعمال الأسعار قبل أن ترتفع تكاليفهم؟ ولماذا يمكن لوعود الحكومة بشأن السياسة الاقتصادية المستقبلية أن تؤثر في اتجاهات السوق اليوم؟
تقع هذه الأسئلة في صميم الأبحاث العلمية التي ضمنت جائزة نوبل في الاقتصاد لهذا العام لعالمي الاقتصاد الأميركيين، روبرت هول ومايكل وودفورد.
تعد الإجابة عن هذه الأسئلة بالغة الأهمية لفهم الوضع الاقتصادي والمالي الحالي في إقليم كوردستان والعراق، وبالتالي، فهي مهمة للمسؤولين حالياً عن رسم السياسات الاقتصادية.
تقوم فكرة عالمي الاقتصاد على أنه لفهم اقتصاد بلد ما، يجب على الاقتصاديين أن يفهموا كيف يتخذ الأفراد والأسر والشركات القرارات، وكيف تؤثر الحكومات والبنوك المركزية في تلك القرارات.
من قرارات الأسرة إلى الاقتصاد الكلي
تساعد أبحاث روبرت هول، في تحليل سبب عدم ارتباط قرار الفرد بإنفاق المال فقط بمقدار دخله اليوم وما يكسبه، بل يرتبط أيضاً بما يتوقع أن يكسبه غداً.
على سبيل المثال، قد تقوم أسرة قلقة من تأخر الرواتب بتأجيل شراء سيارة، أو تجديد منزلها، أو بدء مشروع جديد. وعندما يتصرف جزء كبير من الأسر بهذه الطريقة، ينخفض إجمالي الإنفاق الاستهلاكي العام (المواطنون)، وتقل مبيعات السوق، ويتوقف الاقتصاد والأنشطة الاقتصادية.
من ناحية أخرى، وضع مايكل وودفورد، إطاراً أوسع يوضح كيف أن التوقعات بشأن السياسة النقدية المستقبلية، وخاصة أسعار الفائدة المصرفية أو أسعار صرف العملات، تؤثر في القرارات الاقتصادية اليوم.
أعاد الإنتاج المشترك لعالمي الاقتصاد الأميركيين صياغة الأساس العلمي للاقتصاد المعاصر. وهو أن السياسات الحكومية لا تؤثر في الوضع الاقتصادي من خلال المال فحسب، بل إن لتوقعات الناس بشأن مستقبلهم تأثيراً كبيراً في الوضع الاقتصادي الحالي.
لماذا هذا مهم لإقليم كوردستان والعراق؟
لهذه النظرية علاقة مباشرة جداً ببلد مثل العراق وإقليم كوردستان، حيث يرتبط الوضع المالي العام ارتباطاً وثيقاً بإيرادات النفط، وحيث تعد النفقات الحكومية المحرك الرئيس لحركة السوق.
لنتحدث عن انخفاض أسعار النفط أو تراجع صادراته. إذا انخفضت إيرادات الحكومة، يزداد الضغط على النفقات العامة ودفع الرواتب. فالأسر التي تخشى تأخر رواتبها، تقلل من مشترياتها اليومية. كما يقوم أصحاب المتاجر ورجال الأعمال، لشعورهم بأن الناس سيشترون أقل، بتعليق مشاريعهم واستثماراتهم.
يتجاوز تأثير هذا الخوف القطاع العام ليصل إلى القطاع الخاص. فانخفاض إنفاق الأسر يؤثر بشكل مباشر في أصحاب المتاجر والسوق والمطاعم وشركات البناء وقطاع العقارات والعمال الذين يعتمدون في معيشتهم على القطاع الخاص.
بالنسبة لإقليم كوردستان، حيث تعتبر رواتب الموظفين وإيرادات النفط والعلاقات المالية مع بغداد القضايا الرئيسة، تقدم هذه السلسلة من التأثيرات فهماً واضحاً لكيفية انتقال القلق وعدم اليقين من وزارة المالية إلى جيوب الأسر والأسواق.
التضخم ينبع من التوقعات
الفكرة التي حازت على جائزة نوبل في الاقتصاد، ترتبط بالطريقة نفسها بمسألة التضخم وارتفاع الأسعار. خاصة في هذه الأيام التي يشعر فيها الناس بالقلق من زيادة أسعار جميع الاحتياجات والخدمات بسبب قرار خفض قيمة الدينار.
عندما يتوقع التجار أن تكاليفهم سترتفع في المستقبل، فإنهم يرفعون الأسعار مسبقاً. وعندما يتوقع المواطنون أيضاً ارتفاعاً إضافياً في أسعار السلع، فإنهم يسارعون إلى شراء وتخزين احتياجاتهم اليومية. هذه القرارات تؤدي مباشرة إلى ارتفاع الطلب وقفزة في الأسعار.
يمكن للخطاب الواضح والموثوق للبنك المركزي أن يساعد في تغيير التوقعات في السوق، لكن الخطاب وحده لا يمكنه معالجة التضخم الناجم عن نقص السلع، أو ارتفاع تكاليف الاستيراد، أو انخفاض قيمة العملة الوطنية.
بالنسبة للعراق وإقليم كوردستان، فإن التمييز بين هذين الجانبين مهم للغاية. قد يؤدي الإعلان عن سياسة مالية إلى إعادة بناء الثقة في السوق، لكن تأثيرها في معيشة المواطنين يعتمد على استقرار سعر صرف العملة، وسعر السلع المستوردة، وطريقة توفير الاحتياجات الأساسية.
هل يمكن للسياسة الصحيحة أن تخفف من الصدمات الاقتصادية؟
أحد الأسئلة الرئيسة في البحث المشترك لاقتصاديين أميركيين هو كيف يمكن للحكومات والبنوك المركزية أن تقلل من وطأة الأزمات الاقتصادية؟
خلال فترة الركود أو التباطؤ الاقتصادي، يمكن لواضعي السياسات الاقتصادية دعم زيادة الطلب من خلال تليين السياسة النقدية (خفض أسعار الفائدة المصرفية وتسهيل إجراءات الاقتراض)، أو من خلال زيادة الإنفاق العام.
بالنسبة لاقتصاد يعتمد على النفط، فإن السؤال الرئيس هو، عندما تتقلب عائدات النفط باستمرار، كيف يمكن ضمان النفقات العامة (توفير الرواتب والخدمات) وجعلها مستدامة؟ قد تساعد الإدارة الأفضل لصندوق احتياطي العملة العراقية، وتحسين قانون الموازنة، وتوضيح سياسات الحكومة في تبديد حالة عدم اليقين التي نشأت لدى الأسر وأصحاب الأعمال.
* عمر أحمد - مسؤول القسم الاقتصادي في شبكة رووداو الإعلامية



