- لا أريد تقييم القدرة اللغوية لرئيس الحكومة العراقية السيد علي الزيدي، فهو في تحسن مستمر لكنه يحتاج إلى المزيد من التمكن، لما للغة العربية من جمالية تعطيها الكلمة للمعنى، ثم لم تكن مشكلة الحكومات العراقية السابقة التي فشلت في كل خطط التنمية في القدرة اللغوية، والضلوع في النحو والصرف، وإنما كانت في الرؤية والبرنامج ثم الالتزام بالبرنامج والتقيد بالمواعيد وتنفيذ الوعود الأساسية والجانبية.
غريب أن ترى التصفيق الحارّ في مجلس النواب على برنامج جاء ثمرة الحوار والمحادثات، ثم يتلكأ عنها الحائز على التصفيق الحارّ أو يتراجع، وفي تبرير تراجعه يستخدم القدرة اللغوية وما يشار عليه من البلاغة واللعب بالكلمات، هو هروب من الوعود وإقناع مخادع للنفس، لكن الشارع في النهاية يعلم أن تراجعاً قد حصل، وأن الأمور لن تتحرك كثيراً سوى ما يكفي للتغطية الإعلامية ومادة الاستهلاك الانتخابي الدوري.
إذاً، إذا كان السيد علي الزيدي قد رفع من مستوى الطموح، فلا مفرّ من رفع مستوى التقييم، وجدية الوعود توجب الجدية في الحكم والتقويم.
ليس من الإخلاص للوطن مجاراة المسؤول على تقصيره، أو التملق له من أجل نيل رضاه وإدراج ذلك في الاحترام، الحكم المنصف، السيد الزيدي تصريحاته تقول إنه لا يرحم كل من يقطع الطريق على بناء الدولة أو يسرق لقمة عيش المواطن، فعليه أن يكون شجاعاً لكي ينجح، لا أن يكون رقماً في التسلسل.
من هذا المنطلق يجب تسجيل خطاباته وما يقول به ويعد، لأن هذه ليست مستقبل البلد فحسب، بل مستقبل الشعب والأمة. خطاب السيد علي الزيدي على مبنر الأمم المتحدة، يمكننا تناوله في النقاط التالية لمعرفة خططه المستقبلية الهادفة لإستقرار البلد وتنمية الحياة الاقتصادية فيه، لأن أبناءه ينتظرون ذلك من عقدين بزيادة ثلاث سنوات وستة أشهر:
• بدا أن الرجل القادم من عالم المال والتجارة قد جاء بالفكرة والتجرية إلى قيادة الحكومة، وربما هو ما يحتاجه العراق الآن مع مستلزماته الأخلاقية والسياسية، فالرجل منهجه اقتصادي جداً، ركز على الاستثمار كثيراً، وحثّ الشركات للقدوم إلى العراق للاستثمار في ما يمتلك من ثروات، في مختلف القطاعات. وحديثه عن السياسة جاء تالياً، مع المرور مرور الكرام على ملفات دولية وإقليمية كانت تحتل الأولوية في خطايات الساسة العراقيين السابقين. كأنه يريد القول إن السياسة خادمة الاقتصاد في العراق الراهن، ولن تكون السياسات الدولية والإقليمية معرقلةً لتطور البلاد، والاقتصاد يحتاج إلى الاستقرار والأمن المستتب، وهنا يأتي ملف السلاح غير القانوني.
• هذا النهج والنوايا التي أبانها في الكلمة الأممية، يؤثر بلا شك في السياسة الخارجية العراقية، سواء كان على المستوى الإقليمي أم على المستوى الدولي، فحديثه المقتضب في أسطر قليلة على الحرب الحالية، القضية الفلسطينية يوحي بأنه يجعل العراق أولاً ولن يكون رهينة أحداث المنطقة، أوضح الرؤية والنظر إلى قضية فلسطين، لكنها لن تكون الورقة التي تحدد السياسة الخارجية العراقية، ولا ترسمها سوى تنمية البلاد وتعافيها الاقتصادي، هما غايتان لا يتقدم عليهما شيء آخر، لكن هذا لا يعني الدخول في النزاعات الإقليمية، لأن ذلك يعرقل التطور الاقتصادي والتنموي، فالجار هو المنفذ الأول لبناء اقتصاد حركي، فلا صراعات مع الجيران ولا تبعية، الأمران مرفوضان.
• لكن إذا كانت التنمية والاستثمار لن يمرّا إلا عبر النظام المالي العالمي، فهذا يعني التطابق على الأقل في المرحلة الحالية مع الولايات المتحدة، من دون المشاركة في خوض حروبها، وتجنب مزاج ترامب وذلك لسببين:
أولهما: الاستثمار مع الشركات الأميركية، لأن حضور تلك الشركات يعني حماية العراق من الاهتزازات التي تخلقها السياسة الإقليمية، والاقتصاد الإقليمي مرتبط الى حد كبير بواشنطن، وهي تتحكم في سياسات دولة.
ثانيهما: اتخاذ سياسة مع إيران لا تظهر منها على أنها تحدٍّ للولايات المتحدة الأميركية، ولكن من دون الدخول في معترك صراع مع طهران، فهي الجارة، وهي التاريخ والجغرافيا، أما التطابق شبه الكامل مع إيران، فهذا يكون من الممنوعات الأميركية على السيد علي الزيدي، اتخاذ خط وسط متوازن يكون العراق فيه أولاً، ويمكن الدخول في حوار مع الأميركيين عن التساهل تجاه العراق في التعامل مع إيران، لأنها ليست كأية دولة، والتواصل العراقي الإيراني لا يضاهيه التواصل مع أي دولة أخرى ولا أي شعب آخر.
هذه النظرات قد ثبتها السيد علي الزيدي في مقال له منشور في "واشنطن بوست"، بتاريخ (12/07/2026)، وذلك قبيل زيارته إلى البيت الأبيض، أراد التوضيح والجواب عن سؤال "لماذا أذهب إلى واشنطن؟"، تحدث بوضوح بأن الاستثمار في المال والثروة العراقية متاحة ومن أجل ذلك لا بد من توفير الأمن والإستقرار مع تنشيط الاتفاقية الاستراتيجية الشاملة مع الولايات المتحدة في شراكة طموحة، وأن بناء الاقتصاد والتنمية "سنفعلها مع أصدقائنا الأميركيين"، بهذه الجملة الواضحة حدّد السيد رئيس الحكومة وجهته الأساسية العامة، هو مع الأميركيين.
هذه الجرأة وهذا الوضوح، بحاجة إلى الكثير من العمل والجهد والكدح، والذكاء والوفاء، لكي يكون شخصية انعطافية في تاريخ العراق.


.jpg&w=3840&q=75)