ثمة حكمة يابانية تقول "من يطارد أرنبين يفقدهما معا". قد لا تكون الحكمة قيلت عن الدول والحكومات، لكنها تصلح كثيراً لفهم السياسة. فالمشكلة ليست دائماً في غياب الرغبة، وإنما في القدرة على تحويلها إلى فعل محسوب ومعرفة أي طريق ينبغي أن نسلك أولًا. فليست قوة الدولة في عدد المعارك التي تفتحها، ولا في حجم الملفات التي تضعها على الطاولة، وإنما بقدرتها على ترتيب الأولويات ومعرفة أي المعارك تستحق أن تُخاض الآن، وأيها يمكن أن تنتظر حتى تنضج ظروفها. فالدول لا تُدار بمنطق الاستعراض، وإنما بمنطق الحساب الدقيق للوقت والموارد وموازين القوى.
والعراق ليس بعيداً عن هذه القاعدة.فكم من مشروع بدأ بطموح كبير، وانتهى بجدول زمني متعثر وكلفة مضاعفة ونتائج لا تشبه الوعود التي رافقته؟ لم يكن العجز دائماً في المال أو الإمكانات، بقدر ما كان احياناً في محاولة الإمساك بأكثر من ملف في اللحظة نفسها، فتوزعت الجهود بين جبهات كثيرة.
اليوم تبدو حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي أمام اختبار من هذا النوع. فعندما قرر رئيس الوزراء الاقتراب من أكثر الملفات حساسية في الدولة ، لم يختر خصمين عاديين، بل اختار مواجهة منظومتين ترعرعتا مع الدولة حتى كادتا تصبحان جزءا من بنيتها: الفساد والسلاح المنفلت.
وهما ملفان لا يعملان دائماً بمعزل عن بعضهما، بل تتقاطع عندهما المصالح والنفوذ والغطاء السياسي، وتمتد بعض خيوطهما إلى ما وراء الحدود. لذلك فإن ما يجري ليس حملة حكومية عابرة ولا معركة إدارية يمكن حسمها بقرار، وإنما مواجهة مع إرث ثقيل تداخلت فيه السياسة بالاقتصاد، والأمن بالمصالح، والقوة بالنفوذ.
لقد دخل الزيدي المشهد السياسي بطريقة غير تقليدية، وأعقب حضوره سلسلة من الخطوات السريعة التي أوحت بأنه يريد كسر الإيقاع الذي اعتاده العراقيون. وهو اندفاع مفهوم وربما مطلوب في بلد أنهكته الحروب والفساد وتعاقب الأزمات. لكن الإرادة، مهما بلغت قوتها، لا تعفي صاحبها من قوانين إدارة الدولة.
فالحكومات لا تنتصر بالحماس وحده، ولا تُقاس قوتها بعدد القرارات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على توزيع طاقتها وإدارة مواردها ومعرفة حدود الممكن، وتجنب استنزاف نفسها في بداية الطريق.
وتزداد الصورة تعقيدا مع الضغوط المالية الكبيرة، واعتماد ملايين الأسر العراقية بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الإنفاق الحكومي، فضلًا عن استمرار إدارة بعض الوزارات بالوكالة وارتباط بعضها بملفات أمنية وسيادية. وكل ذلك يحد من قدرة الدولة على خوض معارك مصيرية في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل الأفضل أن تفتح الحكومة جميع الملفات دفعة واحدة، أم أن تبني انتصاراتها بالتدرج؟.
فالفساد ليس مجرد موظف مرتشٍ، بل شبكة مصالح متداخلة تتغذى من الثغرات الإدارية والسياسية والاقتصادية. والسلاح المنفلت ليس مجرد قطعة خفيفة خارج سلطة الدولة، بل معادلة سياسية وأمنية وإقليمية معقدة. وكل ملف منهما يحتاج إلى مؤسسات متماسكة، وقرار سياسي واضح، وغطاء واسع، ووقت كافٍ لتحويل الإنجاز المؤقت إلى واقع دائم.
أما خوض المعركتين في التوقيت نفسه، فقد يمنح الخصوم فرصة لتوحيد صفوفهم، ويضع الحكومة أمام استنزاف سياسي وأمني وإداري ربما لا تحتاج إليه وهي لاتزال في بداية الطريق.
لذلك فإن الدعوة إلى التدرج لا تعني التراجع عن الإصلاح، بل قد تكون جزءا من فلسفة الإصلاح ذاتها. فالقائد الذي يعرف متى يؤجل معركة لا يقل شجاعة عن القائد الذي يقرر خوضها، والحكومة التي تعرف متى تتحرك ومتى تنتظر قد تكون أكثر قدرة على تحقيق نتائج دائمة.
إن بناء الدولة يشبه تشييد صرح ضخم؛ يحتاج إلى أساسات متينة، ثم تُضاف الحجارة واحدة بعد أخرى حتى يصبح البناء قادرا على مواجهة الزمن والرياح.
ولعل الحكمة اليابانية لم تكن دعوة إلى تقليل الطموح، بقدر ما كانت دعوة إلى حسن إدارته. فليست المشكلة في أن تريد الحكومة إنجاز كل شيء، وإنما في أن تعتقد أن كل شيء يمكن إنجازه في الوقت نفسه.
العراق لا يحتاج إلى حكومة تخشى الملفات الصعبة، لكنه يحتاج إلى حكومة تعرف أن الإصلاح ليس سباقاً في فتح الجبهات، وإنما رحلة في بناء القدرة على الحسم.
والزيدي اليوم أمام فرصة حقيقية، لكنها في الوقت ذاته اختبار حقيقي: هل يستطيع أن يحول حماسه إلى مشروع دولة، أم أن كثرة الجبهات ستستنزف هذا الحماس قبل أن يتحول إلى نتائج؟.
في السياسة ليست كل المعارك متساوية، وليست كل اللحظات صالحة لكل القرارات. هناك معارك تحتاج إلى قوة، وأخرى تحتاج إلى صبر، وثالثة تحتاج إلى التوقيت أكثر مما تحتاج إلى القوة.
فليس كل ما ينبغي إنجازه يجب أن يُنجز الآن، وليس كل معركة يجب أن تُخاض في اللحظة نفسها. وأحياناً يكون الطريق الأقصر إلى النجاح هو أن تخوض كل معركة في موعدها، لا أن تخوض جميع المعارك دفعة واحدة.
واحدةً واحدة… كما يقول المصريون.
.jpg&w=3840&q=75)


.jpg&w=3840&q=75)