قد لا يكون الهجوم بالطائرات المسيرة الذي وقع فجر يوم الإثنين، (17 آب 2026)، على المكتب الخاص لرئيس وزراء إقليم كوردستان ومقر إقامة مدير وكالة الأمن (باراستن)، في قضاء بيرمام، مجرد حادث أمني فردي؛ بل قد يكون جزءاً من محاولة أوسع لتصعيد التوترات بشكل تدريجي، واختبار الفجوات في الدفاع الجوي، والضغط على إقليم كوردستان على مستويين: وضع أحزاب كوردستان إيران، وعملية نزع سلاح حزب العمال الكوردستاني (ب ك ك).
وفقاً لبيان مديرية مكافحة الإرهاب في إقليم كوردستان، نُفّذ الهجوم بطائرتين مسيرتين مفخختين من طراز "حديد-110"، وقد جاءت الطائرتان من الجانب الإيراني للحدود. "حديد-110" هي طائرة مسيرة ذات محرك نفاث وتوجه واحد، وبحسب المعلومات المنشورة، تبلغ سرعتها حوالي 510 كيلومترات في الساعة ويصل مداها إلى نحو 350 كيلومتراً. وبناءً على ذلك، يمكن أن يكون موقع إطلاق الطائرة داخل دائرة نصف قطرها 350 كيلومتراً من بيرمام؛ مما يجعل إطلاقها من داخل الأراضي الغربية لإيران أو مناطقها الحدودية فرضية تقنية محتملة.
للإجابة عن سؤال: لماذا وقع هذا الهجوم؟ يمكن طرح الأسباب التالية:
أولاً، قد يكون الهجوم جزءاً من محاولة عامة لرفع مستوى التوترات بشكل مضبوط وتدريجي. الوضع الحالي يصب في مصلحة واشنطن؛ فمن دون حربٍ، فُرضتْ ضغوط هائلة على طهران، لكن هذا الوضع غير مواتٍ للأخيرة. لقد زاد ضغط الحصار والحظر البحري على إيران، ويتحدث المسؤولون في طهران عن نقص في الوقود والكهرباء وزيادة الضغوط الاقتصادية. وقد حذر محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، من أن هذا الوضع غير مقبول بالنسبة لإيران. كما نقلت رويترز عن مسؤول إيراني قوله إن طهران حددت مهلة بضعة أسابيع، وإذا لم يتغير الوضع الحالي، فإن موقفها سيتغير من الدفاع إلى الهجوم. في هذا الإطار، يمكن لهجوم محدود على هدف سياسي وأمني حساس، دون تكبد تكلفة باهظة، أن يحمل رسالة مفادها أن إيران لا تزال ترغب في استئناف الصراع ونقل التوترات إلى محيطها، إذا استمر الحصار الأميركي.
ثانياً، قد يكون الهجوم اختباراً للدفاع الجوي في أربيل. خلال حرب الأربعين يوماً، كان نظام الدفاع يتصدى بفعالية للهجمات على أربيل، ولكن مؤخراً، انتشرت أنباء عن نقل أنظمة الدفاع الجوي لقوات التحالف والباتريوت الأميركي من أربيل. ربما كان الهجوم يهدف إلى اختبار صحة هذه الأنباء، وإذا كان هناك نظام بديل، فما هو.
إن استخدام طائرة "حديد-110" يحمل دلالة في هذا الصدد؛ فالسرعة العالية، والمحرك النفاث، والقدرة على التخفي من الرادارات، تقلل من وقت استجابة الدفاعات الجوية. إذا وصلت الطائرات المسيرة إلى المنطقة المستهدفة دون عائق، يمكن للهجوم أن يوفر معلومات مهمة حول الرادارات، ومستوى الجاهزية، وزمن استجابة الأنظمة الدفاعية.
ثالثاً، يمكن أن يكون الهجوم اختباراً لوعود بغداد وأربيل بحماية شركات النفط وخطوط نقل الطاقة. بعد الهجمات السابقة على حقول النفط والغاز، وعدت الحكومة العراقية بحماية الشركات والبنية التحتية للطاقة في إقليم كوردستان. ربما يهدف الهجوم إلى معرفة نظام الدفاع الذي اعتمد عليه العراق في تقديم وعود الحماية لشركات النفط، التي هي بأمس الحاجة إلى استئناف عملها بسبب إغلاق مضيق هرمز.
وقع العراق، في عام 2024 عقد شراء منظومة Cheongung-II متوسطة المدى من كوريا الجنوبية، لكن تركيب الشبكة وتفعيلها بالكامل سيستغرق وقتاً. هذا فضلاً عن أن العراق قد يواجه صعوبة في سداد الدفعات الفورية في هذا الوقت، خاصة أنه يواجه مشاكل في تصدير النفط منذ عدة أشهر. وإلى حين وصول تلك المنظومة، فإن العراق مضطر للاعتماد على التسويات السياسية والمنظومات قصيرة المدى مثل "أفنجر" و"بانتسير". يمكن لهذه المنظومات أن تكون فعالة ضد بعض أنواع الطائرات المسيرة، لكن سرعة وخصائص "حديد-110" تجعل من الصعب على تلك المنظومات اكتشافها وإصابتها.
رابعاً، يمثل الهجوم تغيراً مهماً في نوعية الأهداف. ففي الماضي، كانت معظم الهجمات تستهدف البنية التحتية للطاقة أو القواعد العسكرية أو مقرات الأحزاب الكوردية الإيرانية المعارضة؛ لكن هذه المرة، استُهدِف مكتب رئيس الوزراء ومكان إقامة مسؤول رفيع في جهاز الحماية والأمن. قد يكون هذا بمثابة رسالة مباشرة أكثر إلى القيادة السياسية والأمنية في إقليم كوردستان، في وقت سبق أن استُهدِفتْ عدة مواقع في إقليم كوردستان ووزارة البيشمركة في السليمانية أيضاً.
من وجهة نظر طهران، لا يزال إقليم كوردستان مرتبطاً بالعديد من المخاوف الاستراتيجية الإيرانية: وجود الأحزاب الكوردية الإيرانية المعارضة، وتقارب إقليم كوردستان من تركيا، وتغير ميزان القوى في المناطق الحدودية. وإذا نجحت عملية نزع سلاح حزب العمال الكوردستاني، فقد يزيد ذلك من حرية حركة ونفوذ تركيا في العراق والمناطق الحدودية، ويفرغ المناطق الجبلية الحدودية التي لم يكن فيها مكان لقوات أخرى لسنوات بسبب وجود حزب العمال الكوردستاني. وهذا تغيير قد يُنظر إليه بقلق في طهران.
تمارس إيران ضغوطاً كبيرة لمراجعة اتفاقيتها الأمنية مع العراق، التي وُقِّعتْ في عام 2023 ووُسِّعتْ في عام 2025، وتريد الآن إدخال تغييرات أخرى عليها بحجة عدم التزام الأطراف بها. وهذه مسألة قد لا تكون سهلة بالنسبة إلى الأطراف في إقليم كوردستان، خاصة وأن أحزاب كوردستان إيران لم تقم عملياً بأي نشاط يذكر ضد إيران في الفترة الماضية.
بناءً على ذلك، فإن أقوى تفسير هو أن الهجوم كان في آن واحد رسالة سياسية، واختباراً تكتيكياً، واستعراضاً للقدرة والرغبة في تصعيد التوترات.


.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)