منذ نشوء الدولة السورية وإلى
الآن، لاتزال العلاقة بين السياسة والهوية على حافة التداخلات والغموض وأكثرها
تأثيراً على شكل الدولة وبنائها ونظامها السياسي، نتيجة التركيبة المعقدة لتداعيات
ومآلات الهويات الجمعية التي قد تتقاطع وتتداخل مع بعضها البعض في عملية تأسيس
سوريا الجديدة، والكيفية التي تنظم بها القوة السياسية في الدولة ونقلها بين
الفاعلين والمهتمين بها وتوزيعها وممارستها.
فمنذ عام 1946 تعيش سوريا نموذجاً
مركباً للتحديات الوجودية متمثلة بالهوية الوطنية الجامعة في ظل ما تتميز به من
تنوع قومي وإثني وطائفي وديني. وفي ظل الصراعات والنزاعات السياسية المتعاقبة داخل
سوريا وما رافقها من إملاءات واختراقات خارجية، بدت الهوية (التي كانت تظهر بمظهر
الجامعة والوطنية) كمنصة للاستقطاب السياسي وبؤرة لتجاذباته، وبالتالي تغيير خريطة
النفوذ وقلب معادلة القوى.
في خضم المرحلة الانتقالية
السورية، تدعو دمشق إلى ترسيخ السلم الأهلي والتماسك المجتمعي وتعزيز أواصر
الفسيفساء السوري، إلا أن خطابها لا يعكس بشكل جدي وصريح عصرنة بنية الدولة وفقاً
للمواطنة والقانون بما يكفل إنشاء هوية سورية شاملة، ويؤكد بصورة مباشرة تمثيلاً
رمزياً دون مشاركة حقيقية لاسيما فيما يتعلق بالهندسة السياسية للقرار.
الهوية الوطنية بين الخطاب
والممارسة
المجتمع السوري المتنوع من كورد
وعرب وآشوريين وسريان وشركس وأرمن بثرائه المذهبي والديني من إسلام ومسيحية ودروز
وإسماعيلية وغيرهم الكثير، يضع هويته الوطنية في إطار حقل ألغام أشد تشابكاً
وحساسية وعقدة للمسار السياسي. هنا، في المشهد السوري الراهن وبوصفه مقبل على بناء
سوريته الجديدة والحديثة، لابد من الاستناد إلى مبادئ وقيم الشراكة الحقيقية
والمواطنة المجردة عن التمييز بما يعكس الحضن الوطني الجامع.
يقدم الخطاب السياسي لسلطة دمشق
أبهى صورة عنها كدولة تحتوي السوريين والسوريات بلا إقصاء أو تهميش أو تمييز، مع
التأكيد على تحقيق المساواة بينهم والتعامل معهم بذات المستوى بوصفهم يشكلون ميزة
تفاضلية للنسيج الوطني وركيزة للمناعة والاستقرار الدائم. لكن الاعتراف بالتعدد
والاختلافات السورية يبقى هامشي الأهمية ولا يغير من معادلة المشهد بصورة جادة بما
لا يدعُ مجالاً للشك، وفقا لما نشهده على أرض الواقع حيث الغياب شبه التام لتحديث
البنية التشريعية وإعادة صياغة عقد دستوري جديد.
عمليا، ويتضح ذلك من خلال التمثيل
غير العادل واللاحقيقي لمكونات سوريا المتباينة دينياً وقومياً ضمن الهياكل
الحكومية، حيث الشكلية التي يتمتع به التمثيل دون مشاركة حقيقية في صناعة رؤية
سورية عامة أو العمل على رسم التحولات التي قد تكسر احتكار صناعة القرار. فبعض
الملفات المتعلقة بالإدارة الذاتية أو المحلية والعدالة الثقافية واللغوية تتطلب
مأسسة قانونية وضبط تشريعي واضح ومستدام. وهذا ما يلاحظ مع الشعب الكوردي رغم
عملية الاندماج التي تسير حاليا بينهم وبين دمشق سياسياً وعسكرياً وإدارياً، إلا
أن بلورة الملامح الأخيرة للاتفاق ليست مفهومة إلى الآن بسبب ضبابية المشهد.
من جانب آخر، العلاج الفعلي لهذه
القضايا يتم عبر التغيير الملموس من طرف السلطة الانتقالية (بالدرجة الأولى) في
سوريا حالياً، من خلال تفعيل قنوات التشاور السياسي في إطار دستوري وقانوني للوصول
إلى تفاهمات وطنية شامل، بغية تشكيل هوية وطنية جامعة تتخطى التصدعات السياسية
والاجتماعية التي عمقتها سنوات الحرب الممتدة لأكثر من عقد من الزمن.
توظيف الهوية سياسياً
في سوريا، كثيراً ما اقترنت
الهوية بالفضاء السياسي اقتراناً عميقاً وبصورة حتمية، إذ تجاوزت كونها المجال
الشامل والجامع لمفهوم المواطنة المتساوية، وباتت هي الأداة الأكثر استخداماً في كسر
التوازنات القائمة وإعادة رسم ملامح خرائط النفوذ والحوكمة الفاعلة، كما هو الحال
في استراتيجيات الحظر والحرمان السياسي التي استهدفت بعض الشرائح المجتمعية، كما
ويتجلى في توظيف الروابط الهوياتية كحشد للنفوذ السياسي في صلب المعادلة التنافسية
للسلطة.
وانطلاقاً من هذه الديناميكة،
باتت هذه المعضلة جلية في عدد من القضايا، مثل القضية الكوردية ومستقبل الإدارة
الذاتية ومدى الاعتراف بكل المكونات ضمن الأطر الدستورية والقانونية بما يضمن
المشاركة الحقيقية والفاعلة وتكافؤ الفرص والمواطنة المتساوية، وليس عبر السرديات
السياسية المعلنة وهندستها.
وبناءً عليه، فإن نجاح أي مسار في
ظل المرحلة الانتقالية المعقدة التي تمر بها سوريا يظل مرهوناً بمدى كفاءة السلطة
في التمايز بين المكونات الهوياتية وديناميكيات التنافس على السلطة، ويتجلى نضجها
في تحييد خطاباتها العامة عن جر الروابط الدينية والقومية إلى مستنقع الاستقطاب،
واستثمار التعددية السورية في جعلها اللبنة الأساسية للحمة الوطنية والاستقرار
المؤسسي وفقاً لعقد وطني جامع للسوريين والسوريات الذي يعد، لاسيما بالنسبة لسوريا
الخارجة من جديد من النزاعات، التتويج القانوني والسياسي والأخلاقي لمشروع بنائها
يرسخ دعائم المواطنة المتكافئة والعدالة الناجزة وتثبيت أركانهما.
الهوية والعقد الوطني
في ظل المرحلة الانتقالية الراهنة
والتحولات المرافقة لها، بات فرضاً على السوريين والسوريات صياغة مقاربة جديدة
للصلة بين السلطة السياسية في دمشق والهويات الفرعية أي بين بنية الحكم والبعد
الهوياتي (تفكيك ومراجعة العلاقة التفاعلية بين الهوية وشكل الدولة) بوصفها محوراً
مفصلياً ومحدداً رئيسياً لمعالم الدولة السورية القادمة وصياغة مستقبلها السياسي.
وعلى ذات النحو، فإن التعقيدات
الوجودية والعثرات المركبة لم تعد مرهونة بتجاوز حدود الاحتواء السطحي للتعددية
المجتمعية، بل تمتد لتشمل بلورة وثيقة جامعة تضمن التوافق السياسي والاستقرار (مرجعية
وطنية ذات التزامات دستورية توافقية)، إذ يؤخذ فيه المواطنة كإحدى الركائز
الأساسية والمظلة الوطنية الجامعة للتكافؤ الحقوقي والالتزامات الوطنية.
من جانب آخر، ورغم ما تبديه
وتعلنه السلطة الانتقالية من خطوات تعتبرها استباقية في تاريخ سوريا منذ عقود من
خلال تشكيلها لبعض هياكل الدولة ومأسستها على المستويين التشريعي والسياسي، إلا
أنه ومن الواضح أن وجود المكونات لا يتعدى الديكور الشكلي والمحاصصة الصورية بدلاً
من أن تكون على رأس قائمة الحضور السيادي والمشاركة الحقيقية والمؤثرة في صناعة
القرارات، وبالتالي تمثيل يعكس الثقل الفعلي للجميع دون استثناء أو إقصاء بما
يجذِّر الثقة المتبادلة بين المؤسسات والمواطنين، الأمر الذي من شأنه تحويل التنوع
السوري من بؤرة للاستقطاب والنزاعات والمساومة إلى دعامة جوهرية للازدهار والبناء
والتطور.
اليوم، والسؤال يراودنا جميعاً
خاصة أننا في ظل مرحلة انتقالية حساسة ومعقدة ودقيقة مليئة بالتحديات السياسية
والدستورية، هل تحتضن سوريا، التي تقف على مفترق الطرق بين إعادة تدوير الاختلالات
الهيكلية الموروثة والتأسيس لسوريا الجديدة، نافذة تاريخية لإعادة ضبط وإصلاح
العلاقة بين بنية السلطة والأبعاد الهوياتية؟ إن الإجابة ستكشف لنا المعايير
الحقيقية التي يمكن الاستناد إليها في إنجاح مشروع بناء سوريا المستقبل كدولة
حديثة، ودولة مواطنة، ودولة دستورية تتسع لا تضيق.




