رووداو ديجيتال
تواجه محافظة البصرة، التي طالما لُقبت بـ "سلة غذاء العراق بأكمله"، خطر التراجع والاندثار الزراعي، فالمساحات الخضراء التي كانت تغذي البلاد باتت اليوم تصارع من أجل البقاء أمام جملة من التحديات المعقدة.
مخلفات الحروب، غياب الدعم الحكومي للمزارعين، إغراق الأسواق بالمنتجات المستوردة، وفرض الضرائب الباهظة، أسبابٌ اجتمعت لتخنق القطاع الزراعي لكن التهديد الأكبر يبقى متمثلاً في شح المياه والجفاف الذي بات يهدد بشكل مباشر الأراضي الخصبة في منطقتي الزبير وسفوان.
يتحدث عبد الرضا محسن، رئيس اتحاد مزارعي الزبير، لشبكة رووداو الإعلامية، عن الواقع المرير الذي يواجه المزارع العراقي قائلاً: "لقد ارتفعت أسعار المستلزمات الزراعية في الأسواق بشكل غير مسبوق، لتصل إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف أثمانها السابقة، بدءاً من البذور والتجهيزات البلاستيكية، وصولاً إلى أنابيب الري والأغطية الزراعية. كل ما تتطلبه الزراعة شهد ارتفاعاً طردياً وغير طبيعي".
أما المزارع "أبو عبد الله"، فيلخص مأساة المياه قائلاً: "لو توفرت المياه العذبة، لكانت زراعتنا مستمرة ومنتجة صيفاً وشتاءً. الجميع يعلم أن الزبير مشهورة بإنتاج الطماطم والخيار والرقي وأصناف أخرى كثيرة، لكن الملوحة قضت على الأخضر واليابس. حتى النخلة، التي تُعرف بقدرتها العالية على تحمل ملوحة المياه بنسبة تصل إلى 80%، لم تعد تقوى على الصمود وماتت".
تعد البصرة اليوم المحافظة الأكثر تضرراً من أزمة الجفاف، وهو وضع انعكس سلبياً على قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية على حد سواء. وفي هذا الصدد، يؤكد هادي حسين، مدير زراعة البصرة، أن الأزمة لم تترك قطاعاً إلا وأصابته.
ويقول حسين: "أثر شح المياه في البصرة بشكل حاد على قطاعات النخيل والثروة الحيوانية والسمكية، خاصة وأن الأسماك تحتاج إلى بيئة مياه عذبة للنمو. كما تسببت الأزمة في تقليص المساحات الزراعية المخصصة للمحاصيل الاستراتيجية كالقمح والشعير، وأثرت بشكل واضح على جودة التمور المنتجة في بساتيننا".
ووفقاً للبيانات، فقد تسببت أزمة المياه خلال العام الماضي وحده في جفاف أكثر من عشرة آلاف دونم من الأراضي المروية المخصصة لزراعة القمح والشعير، مما أدى إلى خروجها تماماً من الخطة الزراعية للمحافظة.
وبعد أن كانت حقول البصرة تشتهر بإنتاج أجود أنواع الخضروات والتمور، تحولت اليوم إلى مستورد لمعظم احتياجاتها الغذائية. ولم تتوقف آثار "اللسان الملحي" القادم من البحر عند تدمير الغطاء النباتي، بل باتت تمتد لتشكل تهديداً وجودياً يمس حياة سكان المحافظة واستقرارهم في أراضيهم.


