رووداو ديجيتال
تعود الكاتبة والروائية السورية سمر زليخة إلى بيتها الأول، الرواية، في عمل جديد "أوراق شرقية"، وهي روايتها الخامسة بعد : حبة سكّر سمراء، البازار الكبير، على كفالة الموت، وآخر المنازل، اضافة إلى العديد من الكتب البحثية والدراسات.
تعترف زليخة قائلة لرووداو: "في البداية اخترت الرواية لأنها النوع الأدبي الذي تصعب كتابته، لا أحب الأشياء السهلة أو الأفكار البسيطة، قد تبدو الرواية السهل الممتنع، قصة، لكن كيف تُدار؟ البحث العلمي على الرغم من صعوبته يمكن إتقانه والقبض على نتائجه وفق مفاتيح وقواعد بحثية، قد تقول إن الأمر عينه يحصل في الرواية فهناك تقنيات للسرد الروائي يمكن الاستناد إليها في إنجاز رواية".
بعد أربعة أعمال روائية، نجد سمر زليخة مختلفة في "أوراق شرقية" مغايرة في اختيار الموضوع والأسلوب السردي، واستخدام اللغة، مع أنها حاصلة على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية، لكنها لا تلعب على موضوع المفردات وتعقيدات الحكي. في هذه الرواية تبرز (حكائيتها) وموهبتها في السرد الحكائي، وهذا ما يفتقر إليه الكثير من الروائيين العرب الذين يسهبون في سردياتهم وفي أحيان كثيرة (يتفذلكون) في الأسلوب السردي ويدخلون القارئ في متاهة لا تخدم العمل الأدبي ولا المتلقي. سمر زليخة في هذه الرواية تحكي.. تحكي مثلما تحكي الجدات لأحفادهن، وسوف تذكر جَدَّتَيها، أم والدها وأم أبيها كثيراً، هنا بوصف ذلك التذكر جزءاً من الأحداث.
تهدي سمر زليخة روايتها "أوراق شرقية" إلى جيل الثمانينيات، جيلها، "ذلك الجيل المنقسم على نفسه بين عالمين: عالم يمشي على الورق، وآخر يقفز بتهورٍ نحو الرقمية"، بحسب إيضاحها، فهذه "الحكايةُ لنا جميعاً".

لا أستطيع القول إنها رواية جميلة ونقطة رأس السطر.. رواية مختلفة عما هو سائد عربياً.. منذ سنوات طويلة لم يفاجئني أو تفاجئني روائية عربية بسرد متسارع الإيقاع ومزدحم بالأحداث، مثلما فعلت الكاتبة سمر زليخة في "أوراق شرقية"، شعرت بأنها تكتب عنا وعنهم وعنها.. قرأت الرواية خلال ثلاثة أيام، وتفاعلت معها وشغلتني أحداثها بل أخذتني إليها وصرت أحد شخوصها دون أن أتعاطف أو أنفعل مع ما حدث أو مع أي من شخوصها.. بل كنت بينهم ومعهم مراقباً وفاعلاً وهذا أروع ما في تقنية الرواية ولغتها.. للغة هنا وببساطتها وقوتها فعل الحدث.. أسلوب متفرد يخرج عما هو سائد.. فهي، سمر، أو سليفيا، بطلة الرواية، هنا تحكي لنا قصصها وتشعرني بصفتي متلقياً بأنها تحكي لي وحدي.. تروي لي ما حدث وجرى لهم ولنا.
هل هذه الرواية مذكرات سمر التي صار اسمها في العمل الإبداعي سيلفيا؟ نعم، ربما، يمكن، أو هكذا يبدو، هي حكاية سيلفيا التي اقتلعها أبوها الأستاذ الجامعي من مجتمعها الفرنسي ليأتي بعائلته كلها إلى مسقط رأسه، ضيعة تكاد تكون ضائعة فوق قمة تل أو هضبة في إحدى قرى سوريا، كان عمرها سبع سنوات عندما حدث ذلك.. وبعد كل الترف الحياتي والتكنولوجي الأوربي تُجبر العائلة على نقل الماء من نبع في الوادي واستخدام الفانوس وكل ما هو بدائي، لا لشيء سوى لأن الأب أراد أن يعود إلى أصوله، وبعد أن ورط عائلته بهذه العودة القاسية، ينفصل عن أصوله الحقيقية والحياتية، عائلته، ويتركهم هناك ليعيش في العاصمة بعد أن يتزوج من امرة أخرى.

"أوراق شرقية" هي (روزنامة) التحولات الكبرى في مجتمعاتنا في الشرق الأوسط، في المنطقة التي أطلق عليها "الهلال الخصيب".. الحروب والانقلابات والاختطافات والإرهاب، شقيق سيلفيا تختطفه جهة إرهابية، وشقيق سمر زليخة كان قد اختُطف ولم يعد حتى اليوم، التغيرات التكنولوجية المعقدة، من التليفون البدائي حتى أجهزة الموبايل الذكية، واستبداد الحكومات والتفجيرات التي أخذت أعز صديقاتها، حتى تكاد هذه الرواية أن تكون تاريخاً وثائقياً إبداعياً لأحداثنا، سواء في سوريا أم العراق أم لبنان، وعمل مثل هذا، أعني تحويل الأحداث الكبيرة منها، حتى التفاصيل الدقيقة، إلى عمل روائي يتطلب جهد إبداعياً متميزاً يكاد أن يكون نادراً في الأدب العربي.
تستهل أحداث الرواية بعيادة طبيب ينصح سيلفيا بمراجعة قارئ أرواح أو طارد للجن لأن كل الفحوصات الطبية تؤكد سلامة مراجعته مع أنها تبقى تشكو من أعراض مرض لا تعرفه، ومن آلام في الصدر لا تشخصه أشعة إكس ولا الأشعة الملونة ولا التحاليل المختبرية، مما يؤكد للطبيب أنها تمر بأزمة نفسية، وتعاني قلقاً ووسواساً قهرياً لا يشخصه الطب السريري. ومن هناك، من عيادة الطبيب، تبدأ سمر أو سيلفيا أو كلتاهما بنسج روايتها، باستعادة أحداث الماضي التي تتداخل مع الحاضر وقد تقفز إلى الغد وتعقد جلسة أو جلسات لمقاضاته.. هل هي تقاضي نفسها؟ تناقض ذاتها أم تنسجم معها أكثر من خلال قصّ حكاياتها التي تشد القارئ حتى تنتهي من السرد، لكن القارئ يبقى هناك لا يغادر صفحات الرواية. وهي قد تكون تعمدت ذلك بفعل إتقانها لفنِّ الرواية وإغواء القارئ للمضي حتى النهاية، تقول سمر زليخة عن ذلك: "حين أستطيع أن أجعلك تمضي معي إلى آخر كلمة في الرواية وأن أترك في داخلك انطباعاً أنها عملٌ جيد فهذه غايتي من الكتابة الروائية، أن يكون القارئ أسير اللغة والسرد والفكرة معاً، وحين ينتهي من القراءة لن يضع الكتاب جانباً بل سيقوم بالسؤال والبحث عن إجابات، وهذا ما أريده".
ميزة أخرى في أسلوب سرد الأحداث أو الحكايات في "أوراق شرقية"، هي أن أحداثها تتحول في ذهنك، بوصفك متلقياً، إلى صور فلمية، ويبدو العمل كسيناريو أو ريبورتاج روائي تقطع الروائية وعن تعمد، تسلسله الزمني ونقله من الماضي إلى الحاضر، إلى اللحظة الحالية المعاشة لتنبه القارئ كي لا يقع في تلقائية السرد.
ليس من الإنصاف للقارئ أو الرواية أن أوجز هنا كل أحداثها بقدر ما تتعلق مهمتي هنا بقراءة ما أجده متميزاً وأن تكون قراءتي مثل مهمة دليل يقود المتلقي إلى مناطق بعينها، وهذه ورطة كبيرة، إذ عليَّ أن أضع علامات دلالة عند كل صفحات الرواية البالغة 254 صفحة، وهي من إصدار دار موزاييك للدراسات والنشر، ولوحة الغلاف للفنان العراقي يحيى البطاط.
على الغلاف الأخير للرواية، اختارت سمر زليخة نشر هذا المقتطف من روايتها "أوراق شرقية": "تقول صديقتي بثقة: أحبّي، عليكِ أن تحبي! الحب هو العلاج، كلّ الجراح المحيّرة ستنكفئ أمام دقة القلب في الوقت المناسب، حين يضع الحب يده على القلب، ويعلنه ممتلكاتٍ خاصّة، سيهدأ كل ذلك الخراب.
أضحك طويلاً وأخبرها: حسناً.. سأفعل، سأنزل بعد قليلٍ لدكّان الحب في الشارع الخلفي، هناك بائعٌ يقف خلف ميزانٍ قديم، وسأشتري منه أوقيةً من الحُبِّ النقيّ الخالص، لا أريده مُخفَّفاً بالإعجاب، وكيلو من الحنان، لا لا، أريدها ثلاثة كيلوات، كيلو واحد لا يكفي لامرأةٍ قضت أيامها وهي ترمم نفسها، سأشتري أيضاً رشةً من العواطف الجياشة، تلك التي تجعل القلب أحمق قليلاً، وعليه أن يعطيني ما طلبت طازجاً، لا أريد من تلك المخزّنة في الرف الأعلى، فقد مضى عليها الزمن وتراكم الغبار، أريد من تلك الطازجة التي سمعته بالأمس يُنادي عليها: (تازة يا حُب،.. حمرا وريَّانة يا عواطف)، وإذا سألني البائع عن الثمن فسأخبره ألّا يقلق، معي ما يكفي من الأيام التي لم أنفقها بعد، وأحمل من الصبر الكثير، ولدي عملةٌ جديدة أيضاً: رغبةٌ لصديقتي لور في أن أحبّ مجدداً، هل هذا كافٍ".


