رووداو ديجيتال
في اليوم الثاني لاندلاع الانتفاضة، في تشرين الأول عام 2019، وانتشار أخبارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قررت إيمان خضير المشاركة في أحداثها، ليس باعتبارها مخرجة سينمائية وإنما كمواطنة حالها حال الآلاف الذين انتفضوا من أجل حاضر ومستقبل البلد. ولم يكن يدور في خلدها أن تحمل الكاميرا لتنتج فيلماً عن هذه الانتفاضة التي وصفتها بأنها "ثورة وعي" في تاريخ العراق.. لكنها في النهاية أنتجت فيلماً متميزاً اشتقت اسمه من شعار التشرينيين أنفسهم: "نريد وطن".
في حديثها عن آخر أفلامها "نريد وطن"، قالت إيمان خضير لرووداو اليوم، السبت 5 أيلول 2026: "أنا عرفت بالمظاهرات في اليوم الثاني أو الثالث عن طريق السوشيال ميديا ونزلت إلى ساحة التحرير بلا كاميرا ولم تكن عندي أية نية لتصوير المظاهرات.. وعندما وصلت إلى ساحة التحرير دُهشت من وجود الكم الهائل من الشباب، من كلا الجنسين، إضافة طبعاً إلى نساء ورجال من مختلف الأعمار، المشاركين في التظاهرات، كما أن الحدث ومنذ البداية تمت تغطيته إعلامياً بطريقة متميزة لأن الجميع كان بانتظار هذه اللحظة وهي لحظة عفوية جداً ولم يفكر أو يخطط أي أحد لما يحدث أو سيحدث وهل ستستمر أصلاً.. وطيلة أحداث الانتفاضة التي استمرت لأكثر من سبعة أشهر كنت أذهب إلى ساحة التحرير بمعدل ستة أيام أسبوعياً، وإذا تأخرت في الوقت، بعد الظهر، أشعر أن الكثير من الفعاليات فاتتني ومن الصعب تعويضها ولم أستطع تصويرها، كانت هناك نشاطات مختلفة ومتميزة وتتغير خلال الساعات، وكنت أدخل إلى الساحة من جهة تمثال السعدون، ساحة النصر، لأفاجأ بمبادرات مذهلة لا نعرف من أين تأتي وكيف، وهذه كانت ميزة شباب الثورة."

فيلم "نريد وطن" ليس عن انتفاضة تشرين بل هو جزء من الانتفاضة، وفي أحداث مثل هذه وبجميع أنحاء العالم يكون من الصعب للغاية نقل روح الحدث إلى المتلقي، لكن إيمان خضير لم تأتِ بالانتفاضة إلى المتلقي، بل أخذتنا كجمهور إليها، إلى ساحة التحرير، ونفق التحرير، وجسر الجمهورية، وعمارة المطعم التركي، وما تحت الجسر، أقحمتنا هناك بين المنتفضين، شابات وشباباً من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية والمستويات الدراسية والمهنية، كلهم توحدوا ليصيغوا معنى الانتفاضة، لتتحول هذه المفردة إلى معجم من التفاسير لمفهوم أن يتحول الشعب إلى بركان يتفجر ويهدأ ليعود يتفجر ألف مرة.. لم نسمع أصوات انفجار القنابل الدخانية والمسيلة للدموع ونرى سحابها الخانق وأصوات الآلاف من الرصاصات المطاطية والحية وحسب، بل تنفسنا رائحة الأجساد المحترقة بهذه القنابل ورائحة الدم، واختنقنا بدخانها المسموم.. إلى هناك أخذتنا المخرجة وتركتنا بين خيام الطبابة والطعام والمسرح والموسيقى وصحيفة (تكتك)، وتنقلنا معها بعربات التكتك التي أنقذت المئات من المصابين، التكتك الذي شكّل شريان جسد الانتفاضة ومصدر تنقلات المشاركين فيها.. وأجد أنه من الصعوبة نقل روح الفيلم عبر قصة مكتوبة، بل سيحتاج المتلقي إلى مشاهدته لأكثر من مرة لإدراك أهمية هذا الإنجاز السينمائي.
توضح المخرجة السينمائية إيمان خضير، متحدثة عن الأزمات التي واجهتها عندما فكرت بإنتاج فيلم يجسد روح الانتفاضة: "كانت وقتذاك أزمة كاميرات وخلال تجوالي في ساحة التحرير كنت أشاهد العشرات من المصورين، عراقيين وأجانب، وهم يرصدون فعاليات الساحة، لهذا كان من الصعب الحصول على كاميرا احترافية، لكنني حصلت على كاميرا متواضعة.. كنت أريد أن أصور بأية كاميرا حتى بواسطة الموبايل، لأنني أدركت بأن هذه الانتفاضة أو الثورة أو الحراك تتطور وبشكل عفوي، وبالتالي فالأدوات المستخدمة لنقل أحداثها ممكن أن تكون عفوية. وبدأت تتبلور في داخلي أفكار أوحت بها فعاليات ونشاطات المنتفضين أنفسهم.. المهم عندي أن يأتي التصوير مشابهاً للحدث ومنتمياً له، فأنا لم أكن أتمتع بترف اختيار زوايا ومكان محدد للتصوير، كما لم تكن هناك إمكانية كتابة سيناريو ألتزم بتفاصيله، بل الأحداث كانت هي من تصيغ السيناريو ساعة بساعة وحدثاً إثر حدث."
في إفادات المنتفضين أظهر لنا فيلم "نريد وطن" هذا الانسجام بين الشابات والشباب في أداء مهماتهم، التنظيف، إنقاذ الجرحى، الرسم على جدران نفق التحرير، فهذه التي كانت تلون خطوطها هي خريجة العلوم السياسية، ترسم بثقة إلى جانب طلبة وخريجي معهد وكلية الفنون الجميلة، وتطلق على الانتفاضة وصفاً دقيقاً للغاية "هذه انتفاضة وعي وليست ثورة تغيير فقط"، وثمة شباب لا يبدو أنهم متخصصون في الكيمياء لكنهم يفسرون تركيب وعمل القنابل الدخانية وأسلوب عملها الإجرامي وكيفية تفادي آثارها السامة، يعلق أحدهم وهو يعرض تاريخ صناعة قنبلة مسيلة للدموع، يقول مازحاً: "إنهم يقتلوننا بقنابل إكسباير"، ذلك أن روح المزاح لم تغب عنهم في أكثر الظروف قسوة.

زمن الفيلم 40 دقيقة، توضح المخرجة السينمائية إيمان خضير: "كان مهماً بالنسبة لي تصوير الحدث وأرشفته ومن ثم أبدأ أشتغل عليه وتجمعت عندي ساعات طويلة من المواد الخام المصورة طيلة 6 أشهر، ولأول مرة أصور هذا الكم من المشاهد واللقطات.. أنا عادة في أفلامي أكون كاتبة السيناريو وأعرف ما أريد وأصور أكثر من حاجتي بقليل، لكن في ساحة التحرير صورت كمّاً هائلاً وما عندي حالياً يكفي لإنتاج 3 أفلام".
كتبت إيمان خضير سيناريوهات وأخرجت الأفلام: مقاهي بغداد الأدبية، بصمة، عن أنيس الصائغ، وطوابع فلسطين، وثيقة تؤكد عروبة فلسطين، والملك فيصل الأول، ظل الكونكريت، عاملات الطابوق، وصفر، وفيلم سمفونية البرونز عن نصب الحرية والفنان جواد سليم. دون أن تصنف أفلامها وتوصيفاتها، تقول: "أنا لم أعد أهتم بتصنيف الفيلم سواء كان تسجيلياً أو وثائقياً فعندي تختلط الأجناس، إذ تشترك الدراما في أفلامي الوثائقية. لم أهتم بالشكل والتصنيفات، المهم أنني نقلت في هذا الفيلم صوت المنتفضين"، مضيفة: "إن ميزة فيلم (نريد وطن) هي أنني تمكنت من تصوير حدث انتفاضة تشرين 2019 بحرية بسبب طبيعة المكان المفتوح، ساحة التحرير وسط بغداد ومسورة بالشباب، وهذا أتاح لنا ترف الحركة والتصوير بما يستحق الحدث، وأنا أعتبر ما صورته هو أهم مادة أرشيفية في حياتي ولا تشبه أي مادة وفيها كم هائل من التنوع"، معترفة بأن إنتاج هذا الفيلم "خلق عندي حالة من الانتماء للحدث وهذا أمر جيد وليس جيداً، فعندما أشتغل فيلماً يجب أن لا أنتمي للحدث وأتوحد معه حتى أحافظ على حياديتي وأقدم الحدث بموضوعية، لكنني لم أستطع".
وعن المصاعب التي واجهتها لإنتاج الفيلم، أوضحت: "إن عملية إنتاج الفيلم كانت شاقة جداً، ففريق العمل بما فيهم أنا كنا مراقبين من قبل أطراف أخرى وحذرين، وكنا نعرف كيف ندخل إلى الساحة وكيف نخرج منها لأنه كان هناك من يترصد تحركاتنا، لهذا أغلبية الفنيين رفضوا العمل بالفيلم تجنباً للمشاكل واضطررت للشغل بطريقة مخفية." منبهة إلى أن "أول نسخة للفيلم كانت في 2021 ولم أقتنع بها، كانت ضعيفة ولا تليق بانتفاضة تشرين فتركتها لفترة، وفي عام 2024 أعدت الشغل والمونتاج مع مونتير آخر وأيضاً لم أقتنع بالنسخة الثانية، وكانت هذه العمليات مكلفة مادياً لأن الفنيين أجورهم عالية، لكني لم أهتم للموضوع ودفعت من جيبي الخاص من أجل إنتاج فيلم أكون مقتنعة به، حتى قبل 3 أشهر انتهيت من إنجاز النسخة الثالثة التي شاهدتها وأنا مقتنعة بها".

لأنها تختار مواضيع ليست تجارية لإنتاج أفلام متميزة فهي عادة لا تتلقى الكثير من الدعم من جهات مختصة، توضح: "لم يدعمني أي شخص أو جهة لإنتاج فيلم (نريد وطن) وتحملت كل التكاليف، وأنا كنت متوقعة ذلك، فمن يدعم فيلماً من هذا النوع؟ باستثناء بعض الأصدقاء من الشيوعيين الذين ساهموا بمبالغ بسيطة سددت بالكاد أجور الفنيين ولم أتقاضَ أي مبلغ عن جهودي".
لا يمكن مقارنة فيلم "نريد وطن" من حيث كتابة السيناريو والإخراج والتصوير ببقية الأشرطة السينمائية، فيلم بلا تخطيط مسبق خلال التصوير، بل إن الأحداث هي التي تقود المخرجة للتصوير ومن ثم رسم خارطة السيناريو، فيلم بلا ممثلين، فالحدث وشباب الانتفاضة من الجنسين هم من يجسدون الأحداث، دون أن ننسى إشراك الروائي والصحفي زهير الجزائري والباحث الأكاديمي حيدر سعيد، الذي وصف الفيلم: "هذا ليس عن تشرين بل هذا فيلم تشريني بامتياز"، وقدّم كل من الجزائري وسعيد تحليلاً واقعياً وتفسيراً لسايكولوجية الانتفاضة وشرح أسبابها ونتائجها، مع اعترافين للسياسي الشيعي عزة الشابندر والسياسي السني محمود المشهداني بفشلهم في إدارة العراق والتسبب بالفقر وإضاعة مستقبل الشباب.
جاءت ردود أفعال الفنانين والمثقفين والجمهور، وحسب ما نقلته إيمان خضير: "بأنها كانت إيجابية جداً"، مضيفة: "قررت عرض الفيلم بشكل خاص لفنانين ومثقفين وأصدقاء غالبيتهم كانوا قد شاركوا في الانتفاضة، كي أرصد ردود الفعل، لا سيما وأن الحدث ما زال حياً وساخناً، وجاءت ردود الأفعال والآراء رائعة ليس حول موضوع الفيلم وحسب، بل على حرفية التصوير، غزوان باقر، والمونتاج والإخراج والموسيقى التي وضعها المايسترو محمد أمين عزت"، مشيرة إلى أن "العرض الجماهيري الأول كان في المنتدى الثقافي للحزب الشيوعي العراقي ببغداد، حيث ازدحمت القاعة بالواقفين أكثر من الجالسين، وقالوا لم نرَ مثل هذا الجمهور إلا مرتين، الأولى عندما ألقى الباحث الاجتماعي فالح عبد الجبار محاضرة وهذه المرة".
.jpg&w=3840&q=75)


