رووداو ديجيتال
في العرض الأول لمسرحية "حفلة الماس"، تأليف الشاعر خزعل الماجدي، والتي قدمت على مسرح الرشيد عام 1990، كنت أجلس إلى جانب مخرجها، البروفيسور صلاح القصب، ليس باعتباري "دراماتورك" العمل بل كمتلقٍ، وكان القصب يشاهد المسرحية التي انتهى من إخراجها قبل ساعات وكأنه محلل في مختبر إبداعي.. كان يكتشفها من جديد، يكتشف إبداعات ممثليها: آزدوهي صموئيل ومقداد عبد الرضا وعواطف نعيم وإقبال نعيم، وكأنه يتعرف عليهم للمرة الأولى وهم يتحركون فوق خشبة المسرح، مبدياً إعجابه وملاحظاته.. همس بأذني قائلاً: "أستطيع أن أخرج هذه المسرحية من جديد وبرؤيا مختلفة".. قلت له: كنت كل يوم تخرجها لمرات عديدة وبرؤى متجددة حتى وصلنا إلى يوم العرض المسرحي.
سنبقى نستذكر اليوم الأحد، 16 آب 2026، حيث فقد المسرح والثقافة العراقية أحد أعمدتها، صلاح القصب، أستاذنا في أكاديمية الفنون الجميلة الذي لا نستطيع أن نصفه باعتباره مخرجاً مسرحياً وحسب، بل هو مخترع جمالي ومفكر متفرد في تفسير النص المسرحي صورياً وفلسفياً، ومؤسس "مسرح الصورة" كأسلوب تحليلي للنص وبرؤيا عميقة، ليس للمسرح العراقي فحسب بل عربياً أيضاً، إذ انتهج أسلوبه من بغداد حتى مسارح تونس والمغرب العربي. غير هذا، فقدنا إنساناً طيباً ورائعاً كان صديقنا حتى آخر أيام حياته.
الكاتبة والناقدة والمخرجة الأكاديمية عواطف نعيم، التي تتلمذت على أعماله التي شاركت ببعضها كممثلة، قالت لرووداو اليوم، الأحد 16 آب الجاري: "د. صلاح القصب علامة بارزة في المسرح العربي والعراقي وأحد الرموز الشامخة للفن والثقافة، شكّل بحضوره مغايرة واختلافاً عن أبناء جيله من الفنانين، إذ كان مجدداً وباحثاً في طريقة العمل والمعالجة الإخراجية والأفكار، واتخذ من مسرح الصورة طريقة ومنهجاً في عمله، ونهل من الأدب العالمي وأعاد القراءة بروح جمالية ووعي متقدم، فكان أن قدم لتشيخوف ولشكسبير وآلن روب غرييه وخزعل الماجدي".

وأضافت: "كان القصب من نجوم المسرح الفني الحديث في بداية عمله الفني، وقدم مع هذه الفرقة العريقة كممثل العرض المسرحي (الرجل الذي صار كلباً) ومسرحية (الشريعة)، وجمع من حوله، حين كان يدرس في كلية الفنون الجميلة، أسماءً لامعة ومهمة من كلية الفنون الجميلة، الذين صاروا بعد تخرجهم نجوماً في المسرح العراقي من خلاله. يُعد صلاح القصب واحداً من المجددين في المسرح العراقي، وكان له حضوره وأهميته الكبيرة في المحافل العربية والمحلية كعضو في لجان التحكيم وكباحث في الندوات والمؤتمرات العلمية. خسر العراق بفقده قامة مسرحية راقية وحضوراً جمالياً وفكرياً لامعاً".
في نعيه، كتب الشاعر عارف الساعدي، رئيس اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين والمستشار الثقافي لرئيس الوزراء: "خسارة كبيرة لرحيل القامة العالية الدكتور صلاح القصب، خالص عزائي للوسط الفني والثقافي والمسرحي على وجه التحديد، وإنا لله وإنا إليه راجعون".
المخرج المسرحي، الأكاديمي كريم رشيد، المقيم في السويد حالياً، كان أحد تلامذته المقربين في أكاديمية الفنون الجميلة، قال لرووداو اليوم، بلهجة مشحونة بالحزن: "الآن يا صلاح، يا أبي الروحي الذي فتح لي قلبه ومسرحه وبيته.. كيف أودّعك وأنا في مهجري البعيد.. كيف لي أن أهمس في أذنك، أن هضبة الثلج التي ظنت أنها ستكون ساحة مسرحيتك الأخيرة ستظل بانتظارك، لكن الثلج قد ذاب من فرط حزنه عليك".
وفي رسالة كتبها له رشيد "بقيت تنتظر عشر سنوات ولم تصل بعد لصلاح القصب"، يستعرض فيها صوراً مجسدة في أعمال القصب التي عرضت على مدى سنوات، من هاملت وعاصفة ومكبث شكسبير وحفلة الماس للماجدي، وغيرها، يقول فيها: "من أين لك كل هذا الصمت؟ أي قدر رحيم ذلك الذي قادك إلى مملكته وحماك من زعيق الفوضى وأزيز الرداءة؟ ترفع عنك رداءك لتُخرج من تحته مجاميع شعراء تائهين، آباء مخذولين، عجائز ساحرات، مهرجين تعساء، مقاتلين منهارين، راهبات يرقصن الفالس في يوم الجمعة الحزينة، ملوك مهزومين، عشاق فاشلين، رسامين وموسيقيين فقدوا الذاكرة.. أبي الغالي، بُحيرة الثلج التي سيغرق بها ريتشارد الثالث بانتظار قدومك البهي".
نقابة الفنانين العراقيين والاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، وفي نعيه ببيانين منفصلين اليوم، جاء فيهما أن رحيل "الباحث والمخرج المسرحي القدير د. صلاح القصب، الذي فارق الحياة في بغداد اليوم الأحد 16 آب 2026، بعد صراع مع المرض".
وذكر بيانا النعي أن: "القصب ولد في بغداد عام 1945، وعمل مدرساً لمادة الإخراج في كلية الفنون الجميلة ببغداد بعد نيله الدكتوراه في الإخراج المسرحي من رومانيا، في تأصيل تجربته وانفتاحها على أبعاد أخرى، إذ أسس معتمداً على نصوص شكسبير والبعض من طلابه، ما بات يعرف بـ(مسرح الصورة)".
يعد القصب رائداً لمسرح الصورة في العراق، إذ قدّم خلال ثلاثين عاماً أكثر من اثني عشر عرضاً مسرحياً، في سياق مسرح الصورة، هي "هاملت والخليقة البابلية وطائر البحر والملك لير وأحزان مهرج السيرك والحلم الضوئي والعاصفة وعزلة الكريستال والشقيقات الثلاث والخال فانيا وحفلة الماس وماكبث".
ويُنسب إلى القصب إرساء وتأسيس قواعد "مسرح الصورة" في المشهد الثقافي العراقي والعربي مطلع الثمانينيات، إذ تميز بتمرد عروضه على النصوص المكتوبة ليصوغها برؤية بصرية وشعرية تعتمد على كيمياء الصورة وفلسفتها، وكان من أبرز اشتغالاته وتطبيقاته الأولى عرض "هاملت" برؤية صورية خاصة عام 1980.
كما أصدر الراحل العديد من الكتب النظرية والتطبيقية المهمة حول السينوغرافيا والإخراج، من بينها: "مذكرات رحلة الرجل صاحب المظلة السوداء"، و"مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق"، و"فلسفة الكوانتم في مسرح الصورة".
كانت انشغالات القصب قبل توجهه للمسرح تنصب في الفن التشكيلي، وبقي يمارس الرسم بالرغم من عمله المسرحي، بل كتب في النقد التشكيلي، وله من الأصدقاء التشكيليين بقدر ما له من أتباعه المسرحيين.
لن يغيب القصب عن المسرح العراقي، هذا ما كتبته تلميذته الفنانة الأكاديمية آلاء نجم في رثائها له: "أستاذ صلاح القصب، ستبقى حاضراً في ذاكرة المسرح العراقي، وفي ذاكرة كل من تعلّم منك أن الفن موقف، وأن المسرح حياةٌ أخرى، وأن المبدع الحقيقي لا يموت حين يغادر، بل يبدأ حضوره الأبدي. رحمك الله، وأبقى أثرك حياً ما بقيت الخشبة تنبض بالحياة".



