اليابان: تأريخ من الخبرة والتقدم يدق أبواب العراق لتقديم العون

11-09-2016
أيوب نوري
الكلمات الدالة اليابان العراق طوكيو
A+ A-

رووداو - طوكيو

حكومة اليابان بكل ما تملك من قدرات اقتصادية وصناعية وزراعية مستعدة للعودة مرة أخرى إلى العراق لمنح خبراتها، حيث كانت الأجهزة والمنتجات اليابانية محل اعجاب الجميع وموجودة في أغلب المنازل منذ سنوات، ولليابان تجربة يزيد عمرها على 70 عاماً في الصناعة والاعمار وبناء الذات، وهي مستعدة لإعمال تلك الخبرة عن قرب في جميع أنحاء العالم، ومنها العراق وإقليم كوردستان، لكن بشرط أن تكون السلطات جاهزة لذلك. وفي زيارة إلى اليابان والحديث مع مسؤولي الحكومة والمعنيين بالمجال الاقتصادي والصناعي، يبدو جلياً الحماس للمجيء إلى البلاد التي شهدت حروباً ودماراً أكثر بكثير من دول العالم الأخرى، والتي تحتاج الى إرشادات دولة مثل اليابان لكي تقف على قدميها مرة أخرى.

إن إندفاع المسؤولين اليابانيين لا يقتصر على القول فقط. فبعد سقوط نظام صدام في بغداد عام 2003، منحت طوكيو 5 مليارات دولار لإعادة إعمار العراق، وأنفقت تلك الأموال في مجال الطاقة الكهربائية وترميم المصافي النفطية، وتنصيب الأنابيب للإمداد بمياه الشرب وتصفية المساحات المائية في جنوب العراق من القوارب المحطمة، وتم تخصيص 923 مليون دولار لإقليم كوردستان لتحسين الكهرباء مثل محطة ديرلوك في دهوك ومشاريع تصريف المياه، والآن مع تحمل إقليم كوردستان عبء إيواء أكثر من مليون ونصف مليون نازح على كاهله، تقوم الحكومة وعدد من المنظمات اليابانية بالمساعدة في تحمل المسؤولية، ويعكف خبراء الزراعة اليابانيون على نقل تجاربهم الناجحة إلى إقليم كوردستان عبر منظمة (JICA)، لتحقيق أقصى منفعة ممكنة من المناخ في قطاع المحاصيل الزراعية.

إن المساعدات اليابانية سواء أكانت عبر منح الأموال او المساعدات المادية او باعفاء بغداد من القروض او بالعمل المنظماتي، تظهر حقيقة إنها لا تريد أن تنقطع عن هذه البلاد، وعلى الرغم من أن طبيعة سياسة طوكيو لطالما كانت تعتمد على دعم الدول ذات السيادة، والتعامل مع الحكومات المركزية، لكنها في الوقت ذاته لم تهمل إقليم كوردستان بإعتباره جزءاً من العراق. فعلى سبيل المثال حينما قررت دول  (G7) في تموز الماضي، منح العراق 3.6 مليار دولار كمساعدات مالية، أكدت على وجوب استلام اقليم كوردستان حصته من تلك الأموال، وفي داخل مبنى وزارة الخارجية اليابانية، قال لي نائب مدير أعمال الشرق الاوسط وافريقيا، هيرو يوكي كوماكاي "أكدنا على وجوب الإشارة إلى كوردستان في بيان مجموعة الدول السبعة  G7، وهذا لأننا وضعنا بعين الاعتبار الدور المهم الذي يضطلع به إقليم كوردستان".

والشرط الأهم بالنسبة لليابان لإنشاء علاقات متينة مع أي دولة او منطقة هو الاستقرار، وبسبب ذلك قال كوماكاي إنه حينما قررت طوكيو افتتاح قنصلية لها في أربيل مطلع العام المقبل. نأى المسؤولون والخبراء والباحثون اليابانيون بأنفسهم عن الحديث بشأن قضية إستقلال كوردستان، وقالت كبيرة باحثي معهد الإقتصاد والطاقة في طوكيو، آكيكو يوشيوكا، "ان اليابان تحترم دائماً علاقاتها العتيقة والتقليدية مع الدول الأخرى"، وهذا المعهد متخصص بالبحث في مجال الطاقة وعلاقتها بالإقتصاد، وخاصة الإقتصاد الياباني، وتحدث رئيس المعهد والعاملون فيه لمدة ساعة بعمق عن المصادر التي توفر اليابان طاقتها منها، وأحدها هو الغاز الطبيعي، لا سيما أن الدولة تواجه ضغوطاً للاستغناء عن إستخدام الطاقة الذرية، بعد كارثة فوكوشيما التي وقعت في 2011، قلت لهم "لماذا لا تشترون الغاز الطبيعي من إقليم كوردستان؟" ردوا بالقول إن كوردستان لايملك محطة لتسييل الغاز، أجبت "تستطيعون انتم المساهمة في انشائه والانتفاع من الغاز"، لكنهم ردوا بالقول إن إقليم كوردستان لا يطل على البحر، فأخبرتهم إن اقليم كوردستان أسس نظام أنابيب للنقل، فأجابوا بالقول إن هناك مشاكل عالقة بينكم وبين بغداد، وقالت الباحثة يوشيوكا الذي تعرفت عليها قبل أربع سنوات في أربيل "إن الشركات اليابانية لا تجازف، وطالما كانت لديكم خلافات قانونية مع بغداد، لا أعتقد أن الغاز الطبيعي لإقليم كوردستان سيصل إلينا في المستقبل القريب".

وتزامن هذا النقاش، مع اليوم الذي وصل فيه رئيس حكومة إقليم كوردستان نيجيرفان البارزاني إلى بغداد، لإيجاد حل لهذه الخلافات مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، وما دامت المحاولات لا تزال مستمرة للمصالحة مع بغداد، وما دام ينظر الى إقليم كوردستان في المنظار الدولي كجزء من العراق، فإنه من الحكمة ان تحاول السلطات في أربيل الإستفادة من العلاقات الدولية للعراق وزيادة إهتمام دولة مثل اليابان باقليم كوردستان، فلليابان علاقات تربطها بالعراق منذ اكثر من 70 عاماً، ويمكن لإقليم كوردستان ان يجعل العام المقبل بداية لإنشاء روابط مع طوكيو، وان تدخل في اطار العلاقات المتينة.

ويتجه الاستثمار نحو سوق المصادر الطبيعية، وخاصة إلى سوق يتمتع بالإستقرار، وهذا أساس دولي للعمل يلقى صداه في قرارات اليابان، ويتمتع إقليم كوردستان بالإستقرار، ولا شك أن أربيل لن تتمكن من أن تحل محل بغداد، لكنها تستطيع أن تصبح منفذاً إلى العراق. وتعرضت اليابان لذات المعاناة التي مر بها العراق مثل الحروب والقصف والتدمير والإبادة الجماعية والإحتلال، لكن نعلم جميعاً أن اليابان نموذج ناجح جداً للنهوض وإعادة بناء الذات.

ما من شك في أن اليابان دولة مستثمرة وهي تبحث دائماً عن سوق لبيع بضائعها ومنتجاتها التكنولوجية، لكن هذا في حد ذاته يمثل فرصة للعراق، وفي ما يتعلق بهذا الأمر فإن اليابان اتخذت خطوة إلى الأمام. ففي السنوات الست الأخيرة دعت اليابان عدداً من البرلمانيين العراقيين للإطلاع على أسلوب الحكم السليم، والمصالحة وإعادة الإعمار بعد انتهاء الحروب، كما دعت عدداً من المهندسين وموظفي المؤسسات المختلفة في حكومتي إقليم كوردستان والعراق للتعرف على دورات خاصة بهذا الأمر، وفي المقابل حضر خبراء يابانيون لمنح تجاربهم. وفي أعقاب اجتياح تنظيم داعش للمنطقة، دخلت اليابان بشكل فعال في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. إن القوانين اليابانية لا تسمح ببيع السلاح لأية دولة أخرى، او مشاركة الجنود في أي معركة خارج البلاد، لكن مدير قسم التنسيق الأمني الدولي في وزارة الخارجية اليابانية، شينكو مياماتو، أكد أن طوكيو تستطيع تقديم الكثير من المساعدات للدول من الجوانب الأخرى، من أجل مكافحة الإرهاب ومخاطر شبكات التهريب والعثور على المجرمين المحليين والدوليين والقبض عليهم. وتابع مياماتو، أن أحد الأعمال التي حققتها اليابان بنجاح، يتمثل في إستخدام معلومات الشرطة الجنائية الدولية "الإنتربول"، ولدى اليابان خدمة الوصول الى معلومات الإنتربول لحظة بلحظة وعلى مدار الـ365 يوماً في العام، وتستخدمها في منع دخول الأشخاص الذين يمثلون خطراً على البلاد وكذلك في تنقل المجرمين. وأشار إلى إيقاف مواطنين إثنين كانا يعتزمان الإلتحاق بداعش، وزيادة على ذلك فإن اليابان تملك أحد أفضل أنظمة كاميرات المراقبة حول العالم، وهي مستعدة لمنح هذه الخبرات والتكنولوجيا لأي دولة ترغب بذلك، او تنوي إنشاء بنى تحتية متينة، كما هو حال إقليم كوردستان، وكذلك أي دولة تريد التخلص من مرحلة مليئة الحروب والمآسي مثل العراق.

واذا لم تكن الفرصة متاحة لكوردستان والعراق للإعتماد على الذات للنهوض ورفع مستوى المعيشة بسبب الحروب المتكررة او المشاكل السياسية او الخلافات او لأي عامل آخر، فإن دولة أخرى من أقصى الشرق مستعدة لمتابعة الوضع بدقة في البلاد أملاً في إرساء الاستقرار، "استقرار منطقتكم مهم لأمن اليابان" هذا ما قاله الدبلوماسي الياباني السابق، كونيهيكو مياكي، وهو الآن مسؤول الدراسات في معهد كانون للدراسات العالمية، وأضاف "نحن لا نملك تلك التجربة والقدرات البشرية والتأريخ العتيد الذي تملكه الدول الاوروبية في منطقتكم، لكننا لن نتخلى عن هذه المنطقة أبداً"، واستدرك مياكي، بالقول إن إنعدام هذا التاريخ في منطقة الشرق الأوسط يعد في الوقت ذاته أمراً جيداً لليابان بأنها لا تملك تجربة مؤسفة معكم كما هو حال الولايات المتحدة وأوروبا، ولنفس السبب يمكن أن يكون في ذلك آلية مناسبة ووساطة محايدة للسلطات اليابانية، ان الحياد أمر مهم جداً، وخاصة في منطقة مليئة بالحروب والصراعات بين الدول والمجاميع المختلفة، وأكد على أن الحياد هو سبب للبقاء والتنمية "الحديث عن الحياد أمر سهل، لكن البقاء محايداً أمر في غاية الصعوبة، ومع ذلك أنا معجب بحفاظ إقليم كوردستان على حياده وابتعاده عن الحروب بالمنطقة، في الحقيقة أنتم تقومون بعمل جيد جداً".

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب