سوريا والمخاض العسير

29-12-2025
ادريس عمر
الكلمات الدالة سوريا
A+ A-

تمرّ سوريا اليوم بمرحلة شديدة الحساسية، تُعدّ من أكثر المراحل مفصلية في تاريخها الحديث. فانتقال البلاد إلى مرحلة جديدة بعد عقود من الاستبداد يضع على عاتق القيادة الانتقالية مسؤوليات جسيمة، تتطلب قدراً عالياً من الحكمة والتعقّل في إدارة شؤون الدولة والمجتمع. 

إن التركة الثقيلة التي خلّفها نظام بشار الأسد ووالده لا تقتصر على الدمار المادي والخراب الاقتصادي، بل تمتد إلى إرث بالغ القسوة من الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، شملت التعذيب الممنهج، والتصفية الجسدية للمعتقلين، وممارسات وحشية تجاوزت في فظاعتها ما عُرف في أكثر السجون قسوة عبر التاريخ.

إن التعامل مع هذا الإرث المأساوي لا يمكن أن يتم عبر منطق الانتقام أو الثأر، ولا من خلال إذكاء النزعات الطائفية والانقسامات المجتمعية، بل يتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً يهدف في المقام الأول إلى إعادة بناء الإنسان السوري، وترميم الثقة بين مكونات المجتمع، ووضع أسس دولة حديثة قائمة على سيادة القانون والمواطنة المتساوية.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى تبنّي نظام سياسي حديث يقوم على اللامركزية، سواء الإدارية أو السياسية، بما يضمن توزيع السلطات ويخفف من مركزية القرار التي أثبتت فشلها التاريخي في إدارة التنوع السوري. إن الاعتراف بالمكونات الأساسية للمجتمع السوري، من علويين ودروز وإسماعيليين، ومسيحيين إلى جانب الشعب الكوردي، ليس منّة سياسية، بل هو شرط أساسي لبناء دولة مستقرة وعادلة. فالمواطنة المتساوية يجب أن تشكّل الأساس الدستوري والأخلاقي لأي نظام جديد، دون تمييز على أساس الدين أو القومية أو المذهب.

كما أن على القيادة الانتقالية أن تتحلّى باستقلالية القرار الوطني، وألا ترتهن لإملاءات الخارج، وأن تضع مصالح الشعب السوري فوق أي اعتبار آخر. فالأولوية يجب أن تُمنح لمعالجة القضايا الداخلية، والاستماع إلى مطالب السوريين، والتصالح الحقيقي مع المجتمع، إدراكاً لحقيقة أن الدولة المركزية الصارمة لم تعد مقبولة من قبل مكونات البلاد المختلفة.

ومن المهم التأكيد على أن اللامركزية أو الفيدرالية لا تعني التقسيم، كما يُروَّج في بعض الخطابات التحريضية، بل على العكس، فإنها قد تشكّل أحد أهم الضمانات لوحدة البلاد، عبر توزيع عادل للسلطات، وإشراك حقيقي للمجتمعات المحلية في إدارة شؤونها. إن تبديد مخاوف التقسيم يتطلب خطاباً عقلانياً ومسؤولاً، بعيداً عن التخويف والتجييش، وقريبا من منطق الدولة الحديثة.

وفي هذا الإطار، لا بد من وقف كل أشكال التحريض ضد الأقليات الدينية والمذهبية، كالعَلويين والدروز والإسماعيليين، والمسيحيين وكذلك وضع حدّ لحملات التحريض ضد الشعب الكوردي تحت ذرائع سياسية أو عسكرية. لقد عانى الكورد، كما غيرهم من السوريين، من سياسات التهميش والإقصاء في ظل النظامين السابقين، ولن يقبلوا بإعادة إنتاج هذه السياسات في أي نظام جديد.

وعليه، فإن الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الكوردي، وضمان مشاركته السياسية والثقافية، ووقف خطاب الكراهية والتحريض ضده، يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من مشروع الدولة السورية الجديدة. كما تقع على عاتق السلطة مسؤولية تشريع قوانين واضحة تجرّم التمييز والتحريض بين أبناء الشعب الواحد، وتضمن المساءلة القانونية لكل من يسعى إلى تعميق الانقسام المجتمعي.

إن الشعب السوري، بعد سنوات طويلة من الحرب والقتل والتهجير والتدهور الاقتصادي، بات في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار، وإلى فرصة حقيقية للبناء والعيش بسلام وكرامة، شأنه شأن باقي شعوب العالم. ولن يتحقق ذلك إلا عبر مشروع وطني جامع، يقدّم السلم الأهلي، والعدالة، والمواطنة، على أي اعتبارات ضيقة أو آنية.

 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

كوردستان المزوري

مبادرة نيجيرفان بارزاني تحل الأزمة

في ظل مرحلة شديدة التعقيد تمر بها سوريا ومع تصاعد التوترات بين الفاعلين المحليين وتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، جاء الاجتماع الذي عقد يوم أمس المصادف بتأريخ ١٧/١/٢٠٢٦ بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، والرئيس مسعود بارزاني، ورئيس حكومة إقليم كوردستان مسرورلبارزاني، وبحضور المبعوث الأميركي توماس باراك، ليشكل محطة سياسية بالغة الأهمية في مسار البحث عن حل واقعي للأزمة السورية غير أن ما يمنح هذا الاجتماع دلالته الأعمق هو أنه جاء بمبادرة مباشرة ورعاية واضحة من رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، الذي لعب دور المهندس السياسي والدبلوماسي لهذا اللقاء في توقيت بالغ الحساسية، لم يأتِ هذا الاجتماع من فراغ، بل كان ثمرة مسار دبلوماسي مدروس قاده رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني بحكمة ومسؤولية، انطلاقا من قناعته الراسخة بأن منع الحرب أهم من إدارتها بعد اندلاعها، وأن الاستقرار في سوريا جزء لا يتجزأ من أمن العراق وإقليم كوردستان والمنطقة بأسرها، فمنذ بدايات التوتر الأخير، تحرك نيجيرفان بارزاني على أكثر من خط مستخدما شبكة علاقاته المتوازنة مع الأطراف الإقليمية والدولية، لفتح نافذة حوار حقيقية تمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة وإن المبادرة التي جمعت هذه الشخصيات في لقاء واحد تعكس إدراكا عميقا لطبيعة الأزمة السورية وتعقيداتها، فالصراع هناك لم يعد محصورا في بعد داخلي، بل بات عقدة تتقاطع فيها المصالح الدولية، وتستخدم فيها التناقضات المحلية وقودا لصراعات أكبر.