تتجه الأنظار هذه الأيام إلى العراق وتترقب باهتمام الحوار الإستراتيجي الذي يجمع العراق مع الولايات المتحدة الأميركية للتفاوض حول مستقبل العلاقة المتبادلة بين البلدين، ومستقبل الوجود الأميركي في العراق بعد عقد من الشراكة والتحالف، وبعد انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات في حزيران الماضي من المرتقب انطلاق الجولة الثانية في الأيام المقبلة.
وفي السعي لاستقراء ما ستؤول إليه المفاوضات في المرحلة المقبلة، يتطلب منّا مراجعة اتفاقية الإطار الإستراتيجي التي نظم على أساسها الوجود الأميركي في العراق والعلاقات المتبادلة بين البلدين، ماهية الاتفاقية، وأهم الآثار التي أوقعتها على طرفي الاتفاق، للتوصل فيما بعد للاحتمالات القائمة حول مستقبل الاتفاقية والعلاقات الاستراتيجية القائمة على أساسها، وذلك من خلال سلسلة مقالات مؤلفة من ثلاثة أجزاء.
عرفت اتفاقية "الإطار الإستراتيجي" بوصفها اتفاقية دولية - أمنية، عقدت بين العراق والولايات المتحدة الأميركية في نهاية عام 2008، انشأت بموجبها علاقة صداقة وشراكة طويلة الأمد بين الطرفين.
وجاءت اتفاقية "الإطار الإستراتيجي" لتؤكد علاقة الصداقة بين العراق والولايات المتحدة الأميركية عقب حرب، ونشأت حين التوقيع على "بيان إعلان المبادئ" من قبل الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي في 2007 وهي "بذرة التفاهم" التي قامت عليها اتفاقية الإطار الإستراتيجي، إلى جانب اتفاقية وضع القوات الأميركية في العراق "الاتفاقية الأمنية" عام 2008 بهدف خلق تحالف للدفاع المشترك وتعزيز الأمن والاستقرار في العراق.
وقعت جمهورية العراق على "الإطار الإستراتيجي" في نوفمبر/تشرين الثاني/2008، وصادق عليها مجلس النواب العراقي بموجب القانون المرقم لسنة 2008، ونشرت في جريدة الوقائع العراقية في العدد (4102) الصادر بتاريخ 24/كانون الأول/2008 واعتبرت نافذة من تاريخ 1/1/2009، بها طوت حكومة العراق صفحة الحرب وفتحت صفحة جديدة مع الولايات المتحدة الأميركية.
وتقع اتفاقية الإطار الإستراتيجي في دائرة مايعرف بـ"الاتفاقيات الثنائية" ذات الطابع التعاقدي، الخاص، وتتقدم الاتفاقية على الاتفاقيات التي تسمى في القانون الدولي بـ"الاتفاقيات ذات الشكل المبسط".
في الجانب العراقي، تعرف الاتفاقية بـ"الاتفاقية الدولية" بمعناها الدقيق، والتي لاتعدّ ملزمة إلا بتصديق مجلس النواب عليه، أما الولايات المتحدة كانت تنوي الارتباط مع العراق بمعاهدة، وفيما كان المفاوض الأميركي محصوراً بقيود قانونية ووقتية، لم يكن بمستطاعه إبرام "معاهدة" كونها تحتاج إلى موافقة الكونغرس ويتطلب الوقت للمصادقة عليها، لذا أصرت الولايات المتحدة على عقد الاتفاق مع العراق تحت مسمّى "اتفاقية" وليس "معاهدة" فأصبحت ملزمة للجانب الأميركي بمجرد التوقيع عليها دون الحاجة إلى مصادقة الكونغرس، لهذا يعدّ البعض اتفاقية الإطار الإستراتيجي ليس أكثر من اتفاق تنفيذي بين البلدين. ويرى آخرون دخول الاتفاقية في إطار الاتفاقيات "غير المتكافئة" نظرا لأنها عقدت بين الطرفين طرف قوي وآخر ضعيف، ووقعت في زمن الاحتلال.
نظمت الاتفاقية طبيعة العلاقة بين العراق والولايات المتحدة الأميركية على أسس جديدة، وأطرت سبل التعاون بين البلدين بعد سنوات من الحرب. بموجب الاتفاقية انتهت مرحلة الاحتلال المباشر، سحبت الولايات المتحدة الأميركية على أثرها قواتها العسكرية من العراق، وأسست مكانها علاقة تعاون وشراكة إستراتيجية في مجالات سياسية، دبلوماسية، وأمنية، وأقتصادية، وصحية، وعلميّة، وتكنولوجية.
وأسست تحالف ثنائي عراقي - أميركي للدفاع المشترك ضد التهديدات السياسية والأمنية في مقدمتها الإرهاب، وأوجدت الاتفاقية مركزاً قانونياً جديداً لوجود القوات الأميركية على أرض العراق، يقوم على أساس التعاون المشترك مابين دولتين مستقلتين ذات سيادة، وحررت الولايات المتحدة من قيود الشرعية الدولية، والقيود القانونية الداخلية للولايات المتحدة الأميركية.
وفقاً لبنود الاتفاقية، يستمر طرفا الاتفاقية بالتعاون الاستراتيجي، وتقديم الدعم المتبادل في شتى المجالات المذكورة في "الإطار الإستراتيجي"، وتظل الاتفاقية سارية المفعول ما لم يقدّم أي من الطرفين إخطاراً خطياً للطرف الآخر بنيته على إنهاء العمل بها، ويسري مفعول الإنهاء بعد عام واحد من تاريخ مثل هذا الإخطار.
لم تلق الاتفاقية القبول التام على طول عشر سنوات، ووجهت إليها الانتقادات من قبل القوى السياسية المعارضة للاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية والتي ترى فيها وثيقة توقع العراق تحت الاحتلال، لكن بصورة مختلفة، وقامت بعض الكتل السياسية ونواب تحت قبة البرلمان في أكثر من موقف بمطالبات بإلغاء الاتفاقية أو إجراء التعديل عليها كونها لم تعد تناسب الوضع الراهن والمستقبلي للعراق، لكن لم تؤخذ هذه المطالبات بجديّة، لأن مثل هذا القرار يحتاج إلى توافق سياسي بين القيادات السياسية للعراق وقرار رسمي صادر من البرلمان العراقي بقانون.
ومع بداية العام الجديد، أصدر مجلس النواب العراقي قراراً في يناير/2020 ينص على إلزام الحكومة العراقية بإلغاء طلب المساعدة المقدم منها إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، والعمل على إنهاء تواجد أي قوات أجنبية في أرض العراق، هذا القرار وضع الاتفاق المعقود بين العراق والولايات المتحدة الأميركية وكامل العلاقة التي تربط بينهما تحت دائرة الخطر.
فهل ستستجيب الحكومة العراقية للمطالبات البرلمانية أم تذعن لما تمليه ضرورات الواقعية السياسية عليها؟ هذا ما ستوضحه لنا الأيام القادمة.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً