بين نيران الحرب وظلال النفوذ

28-06-2025
محمد حسن الساعدي
الكلمات الدالة العراق أميركا ايران اسرائيل
A+ A-
في وقتٍ يتصاعد فيه التوتر بين إيران وإسرائيل بشكل خطير، يجد العراق نفسه أكثر من أي وقت مضى في قلب هذا الصراع، ليس كطرف مباشر، بل كأرضٍ تمثل تقاطعاً للمصالح، ومسرحاً محتملاً للرسائل النارية المتبادلة.
 
وبينما يتحول الاشتباك بين طهران وتل أبيب من السرّ إلى العلن، فإن انعكاساته على العراق والمنطقة باتت لا تُخفى على أحد، لأن الصراع بين إيران وإسرائيل ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو حرب مفتوحة تتغلّف أحياناً بالطابع الاستخباراتي أو السيبراني أو عبر الحروب بالوكالة، كما أن إيران تسعى لبسط نفوذها الستراتيجي عبر "محور المقاومة" الذي يمتد من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق وغزة، بينما تعمل إسرائيل على كسر هذا المحور بكل الوسائل، معتبرةً الوجود الإيراني قرب حدودها تهديداً وجودياً.
 
العراق البلد الواقع بين الحليف الإيراني والحليف الأميركي يواجه وضعاً معقداً. فمن جهة ترتبط بغداد بعلاقات ستراتيجية وأمنية مع طهران، عبر قوى سياسية وفصائل مسلحة فاعلة على الأرض، ومن جهة أخرى لا يمكن للعراق تجاهل علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية مع واشنطن وحلفائها، لكن الخطر الحقيقي يكمن في تحوّل الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات، وقد رأينا ذلك في عمليات استهداف القواعد الأميركية، أو في استخدام الأراضي العراقية كنقطة انطلاق أو مرور للردود المتبادلة. كل ذلك يُضعف السيادة العراقية، ويجعل الحكومة في موقف حرج بين ضبط الفصائل من جهة، وضغط الشارع والقوى السياسية من جهة أخرى.
 
مع كل تصعيد إيراني - إسرائيلي، يتصاعد التوتر داخل العراق وتبرز المخاطر المحتملة على الساحة الشرق أوسطية من خلال ضربات إسرائيلية على الأراضي العراقية، سواء لاستهداف فصائل مسلحة أو منشآت تابعة لمحور إيران، مما يؤدي الى انقسام سياسي داخلي، بين قوى تدعم المقاومة الإقليمية، وأخرى ترى ضرورة النأي بالنفس، بالتالي حدوث أزمة اقتصادية وأمنية، نتيجة أي تصعيد عسكري كبير قد يؤثر على الاستقرار الهش في البلاد.
 
بات من الضروي وفي ضوء كل ذلك، أن تتبنى الحكومة العراقية موقفاً متوازناً ووطنياً، يقوم على:
 
1.الرفض العلني لتحويل الأراضي العراقية إلى ساحة حرب بين أطراف خارجية.
 
2.تعزيز السيادة الأمنية وتوحيد القرار العسكري تحت سلطة الدولة.
 
3.التحرك دبلوماسياً على مستوى الأمم المتحدة والجامعة العربية لتحذير المجتمع الدولي من خطورة التصعيد في المنطقة.
 
4.الدفع باتجاه خفض التوتر الإقليمي، من خلال دور وساطة عربي أو إقليمي يسهم فيه العراق.
 
مستقبل الحرب بين إيران وإسرائيل يبقى مفتوحاً على عدة سيناريوهات، من بينها الانفجار الشامل أو التسوية عبر التفاهمات غير المباشرة. لكن ما هو واضح أن هذه الحرب لن تكون محدودة، بل ستشمل ساحات متعددة وستترك آثاراً عميقة على أمن المنطقة واستقرارها واقتصادها.
 
العراق اليوم على مفترق طرق، فإما أن يكون طرفاً فاعلاً في تهدئة الأزمات وصنع الاستقرار الإقليمي، أو أن يُستدرج مجدداً إلى معركة لا ناقة له فيها ولا جمل. وبين إيران وإسرائيل، وبين واشنطن والمحور الشرقي، تبقى السيادة العراقية ومصلحة الشعب العراقي هي الرهان الأكبر الذي يجب ألا يُفرَّط به، كما إن الصراع بين إيران وإسرائيل هو أكثر من مجرد مواجهة بين دولتين؛ بل هو انعكاس لصراع محاور، وصراع على هوية الشرق الأوسط ومستقبله، وكلما تأخرت الحلول السياسية الشاملة، ازدادت فرص الانفجار، ودفعت شعوب المنطقة الثمن من أمنها وكرامتها ومواردها.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

مشتاق الربيعي

الدستور أم الأعراف؟

منذ الانتخابات النيابية العراقية التي جرت في عام 2005، والمشهد السياسي في العراق بات يعيش أزمة متكررة تتعلق بكيفية تشكيل الحكومة وتوزيع الرئاسات. وقد أعاد حديث السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى الدكتور فائق زيدان الأخير تسليط الضوء على هذه الإشكالية، عندما أشار إلى عدم وجود فقرة دستورية صريحة تمنح ما يسمى بـ"الكتلة الأكبر" حق تشكيل الحكومة، رغم أن ذلك يُعد من روح الدستور، وهو ما أكده بهذا التوضيح المهم.