تمتلك القنوات الإخبارية الكبرى تاريخاً طويلاً في استخدام الصحافة الاستقصائية للكشف عن المخاطر الصحية في النظام الغذائي؛ بدءاً من مقاومة المضادات الحيوية في الحيوانات، وصولاً إلى تلوث الأراضي الزراعية بـ "المبيدات الحشرية".
هذه القنوات التي تحمل هماً عاماً، تقوم بتوعية الناس والوقوف خلفهم، ولا تبالي بمجموعة من التجار الذين ينشرون الأمراض بين الناس من أجل جمع الأموال بطرق غير مشروعة. غالباً ما تؤدي هذه التقارير إلى تغييرات ملموسة، وتمنح الحكومات رؤية واضحة أو تجبرها على إجراء تغييرات، كما تلزم الشركات ومراكز الإنتاج والتجارة بتغيير طرق الإنتاج ونوعية المنتجات المستوردة.
شبكة رووداو الإعلامية لديها سجل حافل في هذا المجال، بهدف توعية الناس بالمنتجات المستوردة الرديئة، وتحديد الطرق السليمة والصحية للإنتاج من خلال مناقشة الخبراء المختصين. تُعرف هذه الأعمال الإعلامية بالناشطية الإعلامية (Media Activism) أو "صحافة الرقابة" Watchdog Journalism. تكمن أهمية هذا العمل الإعلامي في كونه يثير خوف الشركات والمصنعين المزيفين، بينما يسعد أصحاب الأعمال والمنتجات الجيدة، لأن الفاسدين يفقدون سمعتهم وتتغير القوانين. على سبيل المثال، تم تشديد قانون سلامة الغذاء في أمريكا FSMA عام 2011 بعد سلسلة من هذه التقارير ونتيجة للإصلاحات القانونية. وبذلك يتعلم المستهلك (الجمهور) ضرورة تفحص الملصق ومكونات الأطعمة.
ولكي نعرف تجربة القنوات العالمية الكبرى، سأذكر بعضاً منها على سبيل المثال:
-في عامي 2019-2020: أجرت BBC تحقيقاً استقصائياً حول الدجاج الأمريكي الذي يتم غسله بـ "الكلور". ولأن بعض المزارع الأميركية ملوثة جداً والدجاج مريض، يتم غسله في النهاية بالكلور للقضاء على البكتيريا. تحول الأمر إلى قضية كبرى في بريطانيا، ومنع الناس استيراد لحوم الدجاج الأمريكية، مما اضطر الحكومة البريطانية للتعهد بعدم السماح بدخول هذا النوع من الدجاج.
-في عامي 2019 و2022: أجرت CNN تحقيقاً حول مزارع الألبان في ولاية مين، حيث تبين أن حليبهم يحتوي على كميات كبيرة من سموم PFAS ، هذه السموم ناتجة عن الأدوية والمخلفات التي استُخدمت كـ "سماد" للأراضي الزراعية. واضطر أحد أصحاب المزارع إلى إبادة جميع أبقاره لأن حليبها كان مرتبطاً بالتسبب في مرض السرطان. ونتيجة لهذه التحقيقات والتقارير، وضعت الحكومة الأمريكية ووكالة حماية البيئة EPA معايير صارمة لهذه المواد لأول مرة. وأعلنت شركة (3M)، وهي أحد المنتجين، أنها ستتوقف عن إنتاج تلك المواد بحلول عام 2025 بعد دفع مليارات الدولارات كتعويضات للمتضررين.
-بداية عام 2013: كشفت قناة BBC في برنامج "بانوراما" بعنوان "فضيحة لحوم الخيول" (The Horsemeat Scandal)، أن اللحوم التي تُباع على أنها لحوم بقر هي في الحقيقة لحوم خيول مخلوطة بدواء بيطري (Phenylbutazone) الذي يشكل خطراً على البشر ويسبب فقر دم قاتل (Aplastic Anemia) أدى ذلك إلى سحب ملايين المنتجات اللحمية من الأسواق مثل (Tesco) و(Aldi)، وإغلاق عدة مصانع كبرى في فرنسا ورومانيا وبولندا، وإنشاء "وحدة جرائم الغذاء" (Food Crime Unit) في بريطانيا لمنع الغش الغذائي.
-عامي 2010 و2013: بثت قناة CBS عبر برنامج "60 دقيقة" تقريراً بعنوان The Chicken Commandos وتقارير أخرى، كشفت أن 80% من المضادات الحيوية المنتجة في أمريكا تُعطى للحيوانات والدواجن ليس للعلاج، بل لزيادة وزنها بسرعة. أدى ذلك إلى ظهور بكتيريا خطيرة مثل "السالمونيلا" التي لا تؤثر فيها الأدوية. واضطرت شركات (Tyson Foods) و(Perdue)، وهما الأكبر عالمياً، إلى اتخاذ قرار بوقف استخدام المضادات الحيوية. وأصدرت الجمعية الطبية الأميركية AMA تحذيرات شديدة أجبرت الحكومة في عام 2017 على إصدار قانون VFD الذي حظر استخدام الأدوية لنمو الحيوانات.
-عام 2012: نشرت قناة ABC News تقريراً حول لحوم الأبقار، كشفت فيه أن بعض الشركات تخلط بقايا أجزاء اللحوم الغنية بالدهون (التي تُستخدم غالباً كطعام للكلاب) مع اللحم المفروم في الأسواق. ولضمان خلوها من البكتيريا، كانوا يعالجون اللحم بـ "غاز الأمونيا". عُرض هذا الأمر كفضيحة كبرى، وانخفضت مبيعات اللحم المفروم في أمريكا بنسبة خيالية، وأغلقت شركة BPI ثلاثة من مصانعها، وقررت المدارس الأمريكية عدم تقديم ذلك اللحم للطلاب. لاحقاً، نشرت قنوات CBS وCNN تقارير مماثلة.
-بين عامي 2011 و2012: أجرى برنامج "دكتور أوز" مع CBS ولاحقاً CNN تحقيقاً حول وجود مادة الزرنيخ (Arsenic)، وهو سم قاتل، في الأرز وعصير التفاح الخاص بالأطفال. وتبين أن هذا السم يبقى في التربة وينتقل إلى المنتج بسبب المبيدات المستخدمة في الزراعة. واضطرت منظمة الغذاء والدواء الأمريكية FDA لوضع معايير جديدة وتحديد كمية الزرنيخ في عصير التفاح بـ 10 أجزاء في المليار (مثل مياه الشرب).
-بين عامي 2008 و2012: نفذت FOX News سلسلة تقارير أظهرت أن المجازر تجبر الأبقار المريضة جداً وغير القادرة على المشي (والتي يُحتمل إصابتها بمرض "جنون البقر") على دخول خط الذبح لبيع لحومها، وذلك باستخدام الصدمات الكهربائية والضغط. أدى ذلك إلى أكبر عملية سحب للحوم في تاريخ أمريكا (أكثر من 143 مليون باوند)، وأصدرت وزارة الزراعة الأمريكية USDA قانوناً جديداً يحظر تماماً ذبح الحيوانات "المنهارة" حتى لو سقطت داخل المجزرة.
-عامي 1997-1998: أجرى مراسلان (جين أكري وستيف ويلسون) في FOX News تحقيقاً حول هرمون النمو الاصطناعي (rBGH) الذي أنتجته شركة "مونسانتو" ويُعطى للأبقار لزيادة إنتاج الحليب. كشف التقرير أن هذا الهرمون يسبب مشاكل صحية للبشر والتهابات في ضروع الأبقار. ضغطت شركة مونسانتو على FOX News لعدم نشر التقرير، وتم طرد المراسلين، لكنهما فازا لاحقاً في المحكمة. أدى ذلك إلى توعية الناس، وحالياً يكتب على الكثير من منتجات الحليب خالٍ من rBGH .
-عام 1996: نشرت BBC البريطانية سلسلة تقارير حول قيام أصحاب المزارع بخلط "بقايا الحيوانات الميتة والعظام" في الأعلاف وتقديمها للأبقار. تسبب ذلك في انتشار مرض يأكل الدماغ (BSE) انتقل إلى البشر، واضطرت الحكومة البريطانية لإبادة أكثر من أربعة ملايين بقرة. تم حظر تصدير اللحوم البريطانية للعالم لسنوات طويلة، وتغيرت قوانين أعلاف الحيوانات في العالم أجمع.
فيما يخص كوردستان، أود القول إن ما فعله الزميل والمقدم الناجح (رنج سنكاوي) خلال مسيرته الصحفية كان أحياناً يفوق ما تم القيام به في قنوات أمريكا وأوروبا. فمن خلال برامجه حول رداءة المنتجات المستوردة، دفع الحكومة قبل سنوات إلى اتخاذ قرار بتأسيس دائرة السيطرة النوعية، وعُين الراحل (د. مؤيد عبدالرحمن قوجي) مديراً لها كشخص متخصص وحريص على كوردستان.
كذلك ما فعله رنج سنكاوي عبر (رووداو) لتحسين جودة الأدوية، حيث قدم سلسلة برامج أدت حينها إلى إصدار الحكومة قراراً من 28 نقطة لتحسين جودة الدواء، بالإضافة إلى العديد من البرامج التاريخية الأخرى لحماية حياة وجيوب مواطني كوردستان و العراق ايضاً.
إن ما قام به رنج سنكاوي لتحسين المنتج المحلي هو منع لغش الأشخاص الذين يستوردون مواد و ادوية بيطرية محظورة وعديمة الجودة من الخارج إلى كوردستان، مما يفسد الانتاج المحلي وحياة الناس. كما يهدف لدفع الحكومة لتعزيز السيطرة النوعية.
من المؤكد أن من يغضب من جهود القضاء على المنتجات الرديئة وغير الصحية في بلادنا، هو شخص تتضرر مصالحه من ذلك. فشعب كوردستان و العراق، الذي يفتقر للأسف للضمان الصحي (رغم وجوب وجوده حسب الدستور)، يواجه مشاكل مالية وديوناً بسبب أبسط الأمراض، فما بالك إذا كان المرض هو السرطان، حيث يضطر الشخص لإنفاق كل ما جمعه في حياته ليعيش مريضه فترة أطول قليلاً.
هذه مجرد أمثلة قليلة من حلقات برنامج "مع رنج" (لەگەڵ رەنج) خلال العام الماضي، وكلها كانت من أجل الناس، رغم أنها قد تكون أضرت بمصالح بعض الغشاشين والجشعين الذين يريدون تحقيق أرباح أكثر على حساب صحة الناس:
-16 شباط من هذا العام: فتح برنامج "مع رنج" أبواب دار المسنين واستمع لآلام كبار السن الذين بقوا وحيدين بعد عمر من الخدمة. أدى ذلك إلى خلق وعي اجتماعي لدى الجيل الجديد تجاه والديهم، ونتج عنه قرار أحد الرأسماليين الوطنيين في السليمانية ببناء دار مسنين حديثة في المدينة.
-25 تشرين الثاني 2025: كشف النقاب عن حياة عمال النظافة (حماة البيئة)، مما أثار ردود فعل واسعة وأصبح الناس ينظرون إليهم باحترام أكبر، كما تم تقديم المساعدات للعشرات منهم.
-21 كانون الأول 2025: كشف مخاطر المليارات من قطع غيار السيارات عديمة الجودة التي ترتبط بها حياة الناس، مما يحرج البائعين غير المخلصين ويهدر أموال أصحاب السيارات.
-2 كانون الأول 2025: كشف مخاطر العطور المزيفة وتهديدها لصحة الناس.
-19 تشرين الأول 2025: ناقش سبل الاهتمام بمنتج رمان حلبجة المحلي.
-17 آب 2025: كشف أسرار صناعة الزبادي والأعلاف السامة، وأوضح مدى تفوق منتجات الألبان المحلية في كوردستان على المستوردة.
-3 آب 2025: قدم برنامجاً مفصلاً لدعم الكسبة وبائعي الأسماك وخطر اندثار إنتاج الأسماك المحلي.
-27 أيلول 2025: كشف كيف يُحرم الناس من الوحدات السكنية وأن سعر الشقة يعادل عمل 15 عاماً، دعماً للشباب والمستأجرين.
-18 ايار 2025: رفع صوته بشأن رواتب المتقاعدين، حيث كان أكثر من 20 ألف متقاعد لم يستلموا رواتبهم لمدة خمسة أشهر.
-23 اذار 2025: كشف أن 22 مليون دولار تخرج سنوياً من إقليم كوردستان لشراء الشتلات والأشجار، في وقت تعد فيه كوردستان مناسبة جداً لإنتاج الأشجار للاكتفاء الذاتي والتصدير.
-23 شباط 2025: تحدث عن العدو الخفي الموجود في الأواني والمستلزمات، مثل سائل غسيل الصحون (الفاس) الذي يسبب الأمراض إذا كان رديء الجودة.
-خلال عام 2025 أيضاً: ناقش في أربع حلقات عدم تعيين الأوائل، والتعليم الحكومي والقطاع الخاص، داعماً إعطاء أهمية أكبر للقطاع العام الذي لايزال أفضل من بعض أماكن القطاع الخاص.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً