الحركة الكوردية والمسيحية في الجزيرة اتّخذت عام 1937 الخطوة الأولى في تأسيس إدارة للمنطقة

26-06-2021
سيامند حاجو
الكلمات الدالة الحركة الكوردية سوريا
A+ A-

يسرني اليوم مشاركة المقال السادس من سلسة المقالات عن الحركة الكوردية والمسيحية المطالبة بالحكم الذاتي في الجزيرة، والتي سبق ونشرتها مؤسسة رووداو الإعلامية.

قبل البدء بمضمون المقال الحالي، أودّ الوقوف عند تعليق ورد بعد نشر المقال الخامس على تسمية الحركة السياسية بالحركة الكوردية والمسيحية، وتمت الإشارة بأنّ التسمية الصحيحة وجب أن تكون "الحركة الكوردية والسريانية". في الحقيقة لم تصدر هذه التسمية منّي شخصياً، ويجب عليّ إيضاح مصدر التسمية، من جهة، المصادر التي اعتمدت عليها واستخدمت هذه التسمية على أساسها هي الوثائق الفرنسية الموجودة في الأرشيف الوطني الفرنسي في مدينة نونت الفرنسية. وفي هذه الوثائق وردت باستمرار تسمية "الحركة الكوردية والمسيحية".

ومن جهة أخرى، ضمت هذه الحركة السياسية مكوّنات متعددة من أهالي الجزيرة، ومنهم عدد كبير من العرب، لكن اسم الحركة في الوثائق الفرنسية لم يُشر إلى القومية العربية. وباعتقادي عدم وصف السلطات الفرنسية للحركة السياسية بالحركة الكوردية السريانية حينها كان بسبب وجود مسيحيين من قوميات مختلفة من سريان آشوريين وأرمن وكلدان أعضاء في الحركة ومؤيدين لها، وكذلك الإحصائيات الفرنسية والتي نشرت جزءا منها في المقال السابق، والتي ورد فيها خلفيات وأعداد المنتمين والمؤيدين للحركة التي نشأت عام 1932، ومنها "عدد السريان المؤيدين للحركة يبلغ 6700 شخص، وعدد المسيحيين المؤيدين للحركة يبلغ 56700 شخص". وأعتقد بأن السلطات الفرنسية حينها أهملت في بعض الأحيان الأصل الإثني لأعضاء ومؤيدي الحركة وأحصتهم كمسيحيين.

وفي سلسلة المقالات هذه، أركّز على الحركة السياسية الكوردية والمسيحية لأنّ الغالبية العظمى من المؤرخيّن والكتّاب الكورد وكذلك السياسيين الكورد لم يولوا اهتماماً لهذه الحركة، وربّما بسبب قلّة توفّر الوثائق والمستندات التي يمكن الاعتماد عليها. لكن بعد الاطّلاع على الأرشيف الفرنسي، تبيّن جلياً مدى حجم وانتشار هذه الحركة السياسية في الجزيرة، ومدى التأييد الشعبي الذي لاقته من قبل أهالي الجزيرة. المثير للاهتمام أنه بالإضافة إلى مطالب الحركة بإدارة المنطقة والّلامركزية، كان لهم مطلب أساسي آخر، وهو بقاء الفرنسيين في سوريا، وكذلك الاعتراض على الاتّفاق الفرنسي السوري الذي يقضي بإنهاء الانتداب الفرنسي لسوريا وخروج القوات الفرنسية.

لكن بتاريخ 22\12\1936 تم توقيع الاتفاق الفرنسي السوري بين حكومة جميل مردام والحكومة الفرنسية في دمشق، وتم بموجبه انهاء الانتداب الفرنسي لسوريا، والذي لقي ترحيبا واسعا بين صفوف القوميين السوريين والقوميين العرب. إحدى مرفقات هذه الاتّفاق نصّت على منح العلويين والدروز ولواء اسكندرون نوعاً من الاستقلال الإداري والمالي إلى حدّ ما، ولم تُمنح الجزيرة والمناطق الكوردية أياً من هذه الامتيازات.

توقيع الاتّفاق الفرنسي-السوري أثارحفيظة ومخاوف أعضاء ومؤيدي الحركة السياسية الكوردية والمسيحية المطالبة بالحكم الذاتي في الجزيرة من تعرّضهم للأعمال الانتقامية والقمع والاضطّهاد. وأصبحت تلك المخاوف واقعاً وتحقّقت، فعلى سبيل المثال، الانتخابات البرلمانية السورية التي نُظّمت نهاية عام 1936، فاز أربعة مرشحين من الجزيرة وكوباني بعضوية البرلمان، ثلاثة من الفائزين كانوا من أعضاء الحركة السياسية الكوردية والمسيحية، والرابع هو دهام الهادي من القوميين العرب السوريين. حينها كان القوميون السوريون مسيطيرين على البرلمان السوري، وبطبيعة الحال قبلوا فقط فوز مرشّحهم دهام الهادي، ورفضوا عضوية الفائزين الثلاثة الآخرين. ولو أخذنا نتيجة الانتخابات البرلمانية في الجزيرة، لوجدنا أنّ نسبة 75% من المصوّتين في الانتخابات كانوا مؤيدين للحركة الكوردية والمسيحية وصوّتوا لها.

بعد قرار البرلمان السوري برفض عضوية الفائزين الثلاثة، خرجت تظاهرات رافضة للقرار في الجزيرة وكوباني، كما جرت حملة  إضراب عام، ووجّه حاجو وحلفاؤه من قادة الحركة الكوردية والمسيحية تهديداً بالتمرد والعصيان على حكومة مردام في دمشق. وفي منتصف شهر نيسان\ أبريل من عام 1937، قبل البرلمان السوري عضوية الفائزين الثلاثة، وتراجع عن قراره السابق برفض عضويتهم في البرلمان السوري  (من كتاب الخوري Syria and French Mandate، والصادرعام 1987، الصفحة 529).

ولنفهم لم أثار التهديد الصادر من الحركة الكوردية والمسيحية مخاوف الحكومة السورية، أذكر جزءاُ ممّا ورد في وثيقة محفوظة في الأرشيف الوطني الفرنسي في مدينة نونت في (S-L: C.P. 503).

الوثيقة هي رسالة صادرة عن الكابتن ماير بتاريخ 31\3\1937، والذي شغل منصب رئيس استخبارات جرابلس حينها، ورد فيها:
" عندما قام كل من مصطفى وشاهين بوزان بزيارة الجزيرة للقاء قادة العشائر الكوردية والمسيحية في 31\3\1937، قالا: الكورد والمسيحيون في الجزيرة استقبلونا بحفاوة وحماس، فلقد كان بانتظارنا 2000 فارس مسلح وقفوا وقفة شرف لنا على جانبي الطريق، وما أثار استغرابنا هو حالة الوحدة والّلُحمة الشديدة للقادة الكورد والمسيحييّن مثل حاجو، قدور بك، خليل ابراهيم باشا، سعيد اسحق، ميشيل دوم، عبد الأحد بحدو."

والآن أنشر وأقدّم لكم وثيقة محفوظة أيضا في الأرشيف الوطني الفرنسي في مدينة نونت في (S-L: C.P. 503)، وهي تقرير  حول الوضع السياسي والاقتصادي في منطقة القامشلي، صدر عن رئيس وكالة الاستخبارات الفرنسية في القامشلي بتاريخ 28/7/1937، وتحمل توقيع (Moucannas).

قبل الخوض فيما جاء في نص الوثيقة، أودّ الإشارة إلى دلالتين هامّتين في مضمونها، الأولى: تبيّن الوثيقة بأن الكورد والمسيحيين في الجزيرة قد اتّخذوا الخطوة الأولى في وضع أساس لتشكيل إدارة في المنطقة. والثانية: تبين الوثيقة أيضا أن الجزيرة وكوباني لم يكن للحكومة السورية فيها وجود، وأنّها خلت من موظّفي الحكومة السورية، وأنّ أهالي المنطقة كان يديرونها بأنفسهم. وتؤكّد الوثيقة بأن حالة الاعتراض والاحتجاج في الجزيرة استمرت حتى بعد تراجع البرلمان السوري عن قرارة برفض عضوية المرشحين الفائزين الثلاثة، لأنّ المطالب الأساسية للحركة الكوردية والمسيحية المطالبة بالحكم الذاتي لم تُلبّى. أمّا ما تبقّى من مضمون الوثيقة، فأعتقد بأنه واضح ولا داعي للإشارة إليه.

وهنا جزء من ترجمة نص الوثيقة:

"بعد تدخّل مسؤول المخابرات، يقال لنا بأنّ الأسواق فتحت مجدّدا في القامشلي منذ البارحة، لكنّنا لا زلنا بعيدين عن عودة الحالة التجارية إلى وضعها الطبيعي. الكورد والعرب من أهالي القرى لا يجرؤون على القدوم إلى المدينة لبيع منتجاتهم أو شراء المنتجات من المدينة. وكذلك الأمر بالنسبة لأهالي المدينة، فهم لا يذهبون إلى الأرياف بسبب حالة عدم الاستقرار، المنطقة تمرّ بمرحلة  شديدة من انعدام الثقة، وأن لم يتم اتّخاذ خطوات سريعة جديّة وفعالة، ستكون التبعات سيئة على الجزيرة.

جميع التجار السوريين الذين كانوا قد قدموا من الداخل، يخرجون من المنطقة. ورؤوس الأموال التي كانت قد قدمت في وقت قصير من لبنان وفلسطين، والتي رغبت بشراء أراضي زراعية شاسعة، وحصد القمح والقطن بالآلات الحديثة، أيضا تركوا المنطقة على الأقل بشكل مؤقت، وتركوا مشاريعهم كذلك.

منذ نحو عشرين يوما توجد في الجزيرة حكومة شكلية، ممثّلوا الحكومة السورية تركوا المنطقة على عجل، وكذلك الشرطة والعسكر. والقلّة الباقية من العسكر يُسمح لهم بالخروج فقط من دون سلاح، وإن ظهروا حاملين سلاحهم فسيذبحهم الأهالي تماماً كما حدث لأربعة شرطة في الحسكة. الجنود الفرنسيون هم الذين يقومون بتوفير النظام والأمان في المدن.

في القامشلي والحسكة تم تأسيس لجان تقوم بدور المحاكم للفض في الخلافات التي تحصل بين الأهالي، وهذه اللجان لها رؤساء تم انتخابهم مثل حاجو، وعبدي آغا خلّو، و أعضاء هذه اللجان منهم ملكي أسمر، وموسى عزّو، ورشيد بك حجي علي بك، ابن قدري بك البرلماني، موشي نعّوم، ابراهيم دلنجي، عبد الكريم دولى...]"

وأودّ هنا أن أستشهد أيضا بما ورد في مذكّرات المستشرق الفرنسي توماس بوا (ٍٍSaulchoir, Dossier 45 ) في شهر تموز 1937، حول اللجان المذكورة في تقرير رئيس الاستخبارات الفرنسية في القامشلي. يقول توماس بوا في مذكراته: "هذه اللجان لها شرطة وسجون، وتقوم بجباية الغرامات من المخالفين".
وأعود الآن إلى إكمال ترجمة نص الوثيقة

"من المفيد استغلال هذه الفرصة لقول أن أهالي الجزيرة في المدن والأرياف مسلّحون، وجميع رؤساء العائلات يملكون سلاحا واحدً أو أكثر من سلاح على الأقل، ويقال أن نحو 10 آلاف إلى 12 ألف بندقية موجودة في الجزيرة...]

إن لم نتمكن من اتّخاذ خطوات صحيحة لتقريب وجهات نظر جميع الأطراف، وإن لم نقم بتقريب الطرفين - مشيرا إلى حركة الحكم الذاتي الكوردية والمسيحية، والقوميين السوريين- سنكون في خطر، وبقناعتي ستصاب المنطقة بالشلل...]"

وفي المقال القادم من هذه السلسة، سأبيّن كيف تعاملت السطات الفرنسية مع ما ورد في هذا التقرير الصادر من دائرة فرنسية.

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

فاضل ميراني

للذين يبحثون عن الأزمة لخلق مواقعهم

احتمال أن تصنع أزمة ما شخصاً ما فيقوم بدور ايجابي مؤثر، هو أمر وارد وأمثال الأزمات وأمثال الأشخاص حاضرة وحاضر، مثلما مثيلات الأزمات التي تصنع أشخاصاً يقومون بدور سلبي مؤثر، هو وارد وحاضر.