الحصان الأسود الروسي

25-12-2018
مؤيد رشيد
الكلمات الدالة الحصان الأسود روسيا أمريكا الاتحاد السوفييتي
A+ A-

 
الحصان الأسود مصطلح شائع في مجالات مختلفة كالسياسة والرياضة أو كل نشاط فيه منافسة أو نزاعات، ويقصد به الطرف غير المعروف أو ذو الإمكانات الضئيلة مقارنة بمنافسيه، والذي يحقق فوزاً غير متوقع ويفاجئ الجميع من المتفرجين والمنافسين.

يعود أصل الكلمة إلى الرواية التي كتبها رئيس وزراء بريطانيا الأسبق بينجامين دزرائيلي، المعروف بأعماله الأدبية إضافةً إلى نشاطه السياسي، كُتبت الرواية في عام 1831 حيث ظهر مُصطلح الحصان الأسود لأول مرة، تحكي هذه الرواية عن سباق للخيول يفوز فيه حصانٌ غير معروف فيُطلق عليه لقب الحصان الأسود على الرغم من بياض لونه، ويبدو أن لون الحصان ليس له علاقة بالتسمية، ولكن بالتوقعات والإمكانيات، حيث أن المقصد في المصطلح الإنكليزي هو الغموض والانبهار والاختلاف وليس اللون.

بعد هذه الرواية انتشر مصطلح الحصان الأسود في سباق الخيول انتشاراً كبيراً، وأصبحت الأحصنة الفائزة التي لم يُتَوقع منها الفوز في السباق تُسمى بالحصان الأسود. تطوّر مصطلح الحصان الأسود بعد ذلك في بريطانيا، وأصبح مُتداولاً في السياسة ثم في الرياضة والفن، إلى أن وصلت شهرة المصطلح أنحاء العالم.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينات من القرن الماضي وتفكك المنظومة الاشتراكية بما فيها دول أوروبا الشرقية، كان الاتحاد السوفييتي السابق يضم 15 بلداً تحت شعار الاتحاد، وهي دول البلطيق وآسيا الوسطى وأواسط شرق أوروبا ودول أوراسيا، انفصلت كلها لتكوِّن دولاً مستقلة بذاتها بما فيها روسيا الحالية، والتي لا تزال تمثل أكبر دولة ذات مساحة في العالم.

استطاع الرئيس الروسي الحالي بوتين، والذي يحكم روسيا منذ بداية عام 2000، أن يعيد بلاده كقوة عالمية فاعلة في جميع الأحداث بعد أن غابت شمسها لأكثر من عقدين من الزمان بعد انهيار وتفكك جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، حتى صارت روسيا هي الحصان الأسود الذي ظهر بقوة على سطح الأحداث مؤخراً.

لم يكن لروسيا أن تحلم بموطئ قدم أو مناطق نفوذ في الشرق الأوسط، أو أن يكون لها منفذ على البحر المتوسط، واليوم تحقق لها كل ذلك ويزيد، وهو أمر صبرت عليه إدارة بوتين طويلاً حتى تحقق لها ذلك.

والأمر يعود إلى عمق علاقات روسيا وإيران، خصوصاً بعد مجيء الخميني، وعمق العلاقات بين روسيا ونظام الأسد في سوريا، وعمق العلاقات بين نظام الملالي والأسد، والذي كان يقف بجانب إيران في حربها مع العراق، لم يستطع الاتحاد السوفييتي خلال مختلف مراحل تطور وتمدد الحزب الشيوعي في العالم العربي أن يجد سبيلاً يمهد لإقامة أحلاف سياسية أو عسكرية دائمة، كما لم يستطع الحزب الشيوعي أن يكوّن قاعدة جماهيرية أو شعبية واسعة وذات تأثير داخل المجتمعات العربية، رغم أن الكثير من تلكم الأنظمة العربية وخصوصاً بعد ثورات التحرر من ربقة الاستعمار الغربي قد اتخذت النظرية الاشتراكية سبيلاً لتطبيق العدالة الاجتماعية المزعومة.

لقد كانت الفجوة كبيرة وتزداد اتساعاً بين مبادئ النظرية الاشتراكية المثالية وواقع التطبيق الذي اتسم بالشمولية والفساد، وخلق طبقة من الحكام والعبيد في البلد الأم والذي ولدت فيه النظرية، ولذلك هوت وتحطمت أشلاءً ابتلعتها تلك الهوة السحيقة التي تفصل بين النظرية وواقع التطبيق، وهو ما يحصل دوماً في عالمنا وعبر كل العصور.

لقد كانت روسيا الحصان الأسود الذي أنقذ نظام الملالي ونظام الأسد، وها هو اليوم يمثل صمام الأمان لتركيا اليوم، ليضبط مستوى علاقاتها مع أمريكا ويعيده إلى مساره الأول من جديد، لقد راهن نظاما الملالي والأسد وصبرا طويلاً على حصانهم الأسود الروسي حتى تحقق لهم وله ما أرادوه، حين خسر الجميع ممن حولهم والذين كانوا يراهنون على أمريكا باعتبارها صديقاً وشريكاً وحليفاً خلال العقود الأربعة الماضية، وما زالوا على رهانهم باقين ومصرين.

الحصان الأسود الروسي أجبر أمريكا مؤخراً على قرار الانسحاب من سوريا، هذا القرار المتهور الذي اتخذته الإدارة الأمريكية سيكون له تداعيات كبيرة على مجريات الأمور في سوريا وفي العراق، وعلى حجم التأثير والنفوذ والتواجد الإيراني على الأرض، وسيظل الشعبان السوري والعراقي يرزحان تحت الاحتلال، وسيدفع الشعب الكوردي في الشمال السوري ثمناً باهضاً تحت الاحتلال التركي، كنتيجة أو أضرار جانبية للتفاهمات التي سيترتب عليها الانسحاب الأمريكي من المناطق التي يسيطرون عليها بمساعدة أمريكا.

لقد كان السلاح الروسي هو العامل الرئيسي في انتصارات حرب أكتوبر وتحرير سيناء، كما كان له الدور الأكبر في الحرب العراقية ضد العدو الفارسي، ولكننا لم نتحرك قدماً لنعبر ذلك الحاجز النفسي للشيوعية، والذي كان يرعب الكثير من الأنظمة، ولم نفهم أن الحرب ليست حرباً فكرية أو عقائدية أو حزبية، بل هي مجرد أحلاف ومصالح وسيطرة ومناطق نفوذ، وهذا ما أدركته  النظم التي راهنت على الحصان الأسود الروسي مبكراً.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب