إن قضية عدم توفر الدينار أو السيولة لتوزيع رواتب شهر تشرين الثاني لموظفي محافظات الوسط والجنوب في العراق، ورواتب شهر أيلول لموظفي إقليم كوردستان، تعود إلى أرقام البنك المركزي ووزارة المالية ووزارة النفط.
لكن عدم توفر السيولة لدى البنك المركزي يختلف تماماً عن عدم توفر الدينار لدى وزارة المالية؛ فما يظهر من خلال الأرقام هو أن البنك المركزي ليس مفتقراً للدينار، بل قام بتقليص عرض وإصدار العملة؛ أما وزارة المالية فهي التي اتسعت لديها الفجوة بين الإيرادات والنفقات، وكان المكان الأول للتقليص هو إقليم كوردستان.
العراق بلد يعتمد على النفط، ويجب أن تكون إيراداته ونفقاته متوافقة مع أسعار النفط، وليس وفقاً لخطط الحكومة والموازنة السنوية. وبحسب البنك المركزي، فمنذ أكثر من 10 سنوات يشكل النفط نسبة 99% من إجمالي الصادرات، و85% من إجمالي الموازنة، و42% من إجمالي نمو الناتج المحلي؛ ورغم أن البنك الدولي قلل من شأن الإيرادات، إلا أنها في الواقع تجاوزت 90% في السنوات الأخيرة.
في العراق، سعر النفط هو الذي يحكم الاقتصاد، وليس قانون الموازنة السنوية أو الخطط الخمسية والعشرية للإعمار. فخلال الأشهر التسعة الماضية، وبحسب وزارة النفط، حينما بلغت الإيرادات المتحققة 62 مليار دولار، قام البنك المركزي العراقي بتوفير 81 تريليون دينار لخزينة وزارة المالية، وليس 97 تريليون دينار التي تمثل نفقات وزارة المالية خلال تلك الفترة.
وفقاً لبيانات البنك المركزي العراقي (CBI)، فإن البلاد لا تعاني فقط من عدم وجود مشكلة في السيولة وتوفر الدينار، بل إنها خلال عام واحد وضمن سياستها النقدية قامت بسحب 4.5 تريليون دينار. على سبيل المثال، تم تخفيض حجم إصدار العملة العراقية في شهر أيلول 2024 من 104 تريليون دينار إلى 99 تريليون دينار؛ وقد تم سحب الجزء الأكبر منها من الأسواق وليس من المصارف.
من ناحية أخرى، ترتبط السياسة النقدية للبنك المركزي العراقي بإيرادات النفط. منذ أيلول 2024 بدأت إيرادات النفط بالانخفاض، مما دفع البنك المركزي لتقليل حجم العملة المصدرة (Issued Currency). وهذا يعني أن سعر النفط هو الذي يرسم السياسة المصرفية والمالية الاقتصادية، ويجبر البنك المركزي على تقليل أو زيادة كمية الأموال في السوق والمصارف.
ما يحدث الآن هو انخفاض مستمر في الإيرادات الشهرية لوزارة المالية مقارنة بنفقاتها، وليس انعدام السيولة كما يُشاع. وحتى لو كانت النفقات في شهر أيلول 8 مليارات دولار، فإن الفارق بين الإيرادات والنفقات في الأشهر التسعة الأولى من العام وصل إلى أكثر من 4.4 مليار دولار.
خلال هذين العامين، قامت وزارة المالية بسد العجز عبر الاقتراض الداخلي، ولهذا السبب بلغ حجم الدين الداخلي في نهاية 2023 حوالي 55 مليار دولار، ولكنه وصل بحلول الربع الثالث من هذا العام إلى 67 مليار دولار، أي أن الدين الداخلي وحده زاد بنسبة 21% خلال تلك الفترة.
نقطة أخرى في هذه السياسة هي أنه لا يمكن الاستمرار في الاقتراض لسد العجز إلى ما لا نهاية، لأن استمرار النفقات سيجعل الإيرادات المتحققة في نهاية العام تتحول إلى ديون. لذلك يجب تقليص النفقات بدلاً من سد العجز، وكان أول مكان تم التفكير فيه هو تأخير رواتب إقليم كوردستان، رغم تسليم الإقليم للنفط والإيرادات المحلية.
وفقاً لبيانات وزارتي النفط والمالية، تتراوح إيرادات النفط شهرياً بين 6 إلى 7 مليارات دولار، لكن نفقات وزارة المالية في هذه الأشهر الأخيرة تصل إلى 10 مليارات دولار وليس المعدل الطبيعي البالغ 8 إلى 9 مليارات دولار شهرياً. كلما ازداد هذا الفارق، زاد العبء على وزارة المالية وليس البنك المركزي، لأن البنك يمنح دنانير بقدر الإيرادات الواردة، أي أن قدرته تعادل الإيرادات وليست النفقات، ولهذا السبب قام بتقليل إصدار الدينار ضمن السياسة النقدية للعراق بدلاً من زيادته.
كذلك، عندما تزيد النفقات وتنخفض الإيرادات، يظهر العجز، وحينها لا يمكن اللجوء للاقتراض الخارجي ولا يسعف الاقتراض الداخلي الموقف. هنا يعود الحديث إلى عدم توفر الدينار لدى وزارة المالية وليس البنك المركزي؛ ولأن النفقات ليست استثمارية، فإن المصارف والمؤسسات الاقتصادية لا تستطيع تمويل هذه النفقات أو سد العجز، في حين أنها مخصصة للرواتب والرعاية الاجتماعية والمكافآت والمساعدات ودعم الطاقة، والتي وصلت في سنة واحدة إلى 102 تريليون دينار.
ما يتعلق بإقليم كوردستان أمر ملفت للغاية، لأنه في ظل هذه الحكومة ومقارنة بالسنوات السابقة والكابينات السابقة، قام إقليم كوردستان بتسليم النفط وإرسال الإيرادات غير النفطية، وتقوم شركة "سومو" ببيع نفطه منذ شهرين، حيث بلغت الكمية في الشهر الماضي 5.8 مليون برميل، وفي هذا الشهر وبسبب استمرار التصدير زادت الكمية لتصل إلى 200 ألف برميل يومياً، أي ما مجموعه أكثر من 11 مليون برميل نفط، وتقدر إيراداتها بسعر ميناء جيهان للنفط العراقي بحوالي 700 مليون دولار أو 900 مليار دينار. هذا بالإضافة إلى تسليم 120 مليار دينار من الإيرادات غير النفطية، والتي تسهم بمعدل شهري نسبته 9.4% من إجمالي الإيرادات غير النفطية للعراق. ومع ذلك، لاتزال بغداد لا ترسل رواتب شهر أيلول، في حين تبدأ بتوزيع رواتب شهر تشرين الثاني لموظفيها.
الآن، الحديث عن انعدام السيولة ليس دقيقاً، بل يجب الحديث عن قلة الإيرادات وضخامة النفقات، لأنه عندما تحول نفقات الدولة إلى رواتب ومساعدات ومكافآت ورعاية اجتماعية، فإن الدينار لن يصمد، ليس فقط أمام برميل نفط بسعر 70 دولاراً، بل حتى بسعر 80 دولاراً.
ختاماً، البنك المركزي لا يقتصر أمره على عدم القدرة على سد عجز يتجاوز 15 تريليون دينار لوزارة المالية لمدة تسعة أشهر، بل إنه ولحماية الدينار، يقوم بتقليص سياسته النقدية وليس توسيعها.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً