ثقافة "الطشة" ودم الفقيدة بان

24-08-2025
معد فياض
معد فياض
الكلمات الدالة العراق الدكتورة بان
A+ A-
تعريف "الطشة" في معجم المعاني الجامع، معجم عربي عربي، يقول: الجمع "طُيّاشَ"، و"طاشَةٌ" • اسم فاعل من "طاشَ" • الطَّائشُ: الأَهْوجُ • الطَّائشُ: الذي لا يصيب إذا رمى رصاصةً. الطَّيش: خفَّة العقل، وفي الصحاح: النَّزَقُ والخفَّة، وقد طاشَ يَطِيش طَيْشاً، وطاش الرجلُ بعد رزانته. وأيضاً، الطَّشَاشُ من المطرِ: الرَّشَاشُ، وهو دون الوابِل وفوق الرَّذاذِ.
 
ومعنى "الطشة" عراقياً، هو الانتشار ويستخدم هذا المصطلح شعبياً لوصف الشخص الباحث عن الانتشار أو الشهرة عبر وسائط التواصل الاجتماعي من خلال ما ينشرونه من محتوى تحول إلى تنافس وبحث مستمرين عن كلّ ما هو غريب وغير مألوف أو مثير، بغض النظر عن كون المحتوى مهمًا أو هابطًا أو كاذبًا أو مسيئًا للآخرين.. المهم أن (يطش)، أن يشتهر بلا مبالاة لاسم ووصف الشخص (الطاش) وعلى حساب سمعته ووضعه. والطاش يمكن أن يكون سياسياً أو إعلامياً أو أكاديمياً أو غوغائياً.. كل غايته هو أن (يطُش)، ومن الطشة يستمد: يطش، طش، طاش أي انتشر.
 
وهذه المفردات التي اخترعها أو اكتشفها (الفيس بوكيون) إلى جانب مفردات شعبية أو هجينة كثيرة، ما بين الشعبية والعربية الفصحى، تعبر في استخدامات معينة عن وصف الحالة. وكلنا يعرف أنه اليوم توجد لغة ثالثة في استخدامات السوشيال ميديا، هي ليست فصحى ولا دارجة، وفي أحيان كثيرة تمزج بين العربية واللغات الأخرى. وعلينا أن ننبه أن استخدام هذه المصطلحات أو المفردات لا يقتصر على العراقيين فحسب بل هي موجودة في عالمنا العربي وحتى في العالم الغربي.
المهم في هذا الموضوع هو أن "الطشة" تحولت إلى ثقافة وأسلوب حياتي يتبعه الكثير من مستخدمي السوشيال ميديا، دون التفريق بين حملة الشهادات العليا وأشباه الأميين لأغراض الانتشار "الطشة" السريع وتحقيق متابعات واسعة حتى لو كان على حساب الحقائق والموضوع واسم "الطاش".
 
اليوم ما إن يُنشر موضوع أو حدث في الأخبار، سواء كان سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً، محلياً، وهو الغالب، أو عربياً أو عالمياً، حتى يتحول في مواقع التواصل الاجتماعي إلى مشروع "طشة"، حتى لو كان الحدث زلزالًا في التبت.. وسرعان ما يهب "الطاشون" لإبداء آرائهم وتبني الحدث والادعاء بأنهم مصدر الحدث أو مقربون منه.. هذا يحلل وذاك يؤكد وهذه تعتقد والأخرى تعلن عن كشف أسرار الحدث، وغالبية هؤلاء، إذا لم يكن جميعهم، لا علاقة لهم بالحدث وبعيدون عنه، لكنهم يفعلون ذلك سعياً للانتشار ومن باب "الطشة"، منطلقين من تبرير ضعيف وهو أن هذه القصة تحولت إلى قضية رأي عام، وهذا بمفهومهم أن الموضوع مشاع ويجب أن يشارك الجميع بالحديث عنه بما أنزل الله من سلطان، وأن يدلوا (الرايح والجاي) بدلوهم ويمنحوا لأنفسهم المشروعية في تأكيد ونفي والتحليل وغالبًا ما تأتي هذه المنشورات مخالفة وبعيدة عن الواقع ومظللة للرأي العام بل وتتجاوز على أشخاص وضحايا، وهذا لا يهم ما دام أن القصة تحقق لهم "طشة" واسعة.
 
أحدث قضية مطروحة اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي هي رحيل الطبيبة النفسية الشابة بان زياد طارق في البصرة.. ومنذ البداية تحولت الفاجعة إلى مشروع أو مشاريع لـ (الطشة)، واستهل أحد السياسيين، برلماني، موجة الطشة بادعائه أنه يعرف كل شيء، وادلى بتصريحات تسيء لسير التحقيق وتظلل الرأي العام، عندما تحدث في وقت مبكر عن أدلة جنائية سرية وادعى بمعرفته بتفاصيل مسرح الجريمة، مؤكداً نظرية انتحار الفقيدة، على العكس منه عبرت غالبية من العراقيين عن اعتقادهم بأن الفقيدة هي ضحية قتل.. نعم من حق العراقيين المتعاطفين مع الفقيدة بان، وكلنا تعاطفنا وسنبقى، مع قضيتها، هناك من تمسك بنظرية انتحارها ودافع عن رأيه وعما يعتقده من أدلة تجزم بانتحارها، وكذلك فعل القضاء، وهناك غالبية لا تؤمن بهذه النظرية معتقدة بنظرية وجود شبهة جنائية وراء موتها.
 
أنا أتفهم جداً أن يساهم أو يتحدث عن القضية رجال قانون، قضاة ومحامون وأطباء وعلماء نفس وإعلاميون وكتّاب من أجل البحث عن الحقيقة بلغة رصينة ومنطقية دون الانحياز والتطرف لهذه النظرية أو تلك وبلا مبالغات وأكاذيب تدعم رأيه أو تخالفه، أو أن يدعي بمعرفته لمعلومات غريبة تدعم محاولات "الطشة"، وبلغ الأمر أن هناك من أنتج فيلماً بواسطة الذكاء الاصطناعي ليدعم نظريته، وأخرى وضعت على السوشيال ميديا تسجيلاً صوتياً تؤكد فيه حادث قتل الطبيبة بان! وإذا تتوفر مثل هذه الأدلة فيجب حملها إلى القضاء، والسوشيال ميديا ليس المكان المناسب لنشرها.
 
القضاء العراقي حسم الأمر وقال كلمته، بأن زياد طارق ماتت منتحرة، وعائلتها أكدت بأنها انتحرت، لكن هذا لا يعني أن يتوقف المشككون بنظرية الانتحار لمواصلة البحث عن أدلة تدحض هذه النظرية، دون التجاوز على عائلة الفقيدة ولا على سمعتها وأخلاقها، وعلى الجميع أن يتعامل مع ذكراها باحترام، ومن يتوصل إلى أدلة تكشف عن القاتل أو القتلة فعليه أن يعلنها بعيداً عن "الطشة"، فمثل هذه الفاجعة لا تتحمل التعامل معها بهذه الأساليب.. علينا أن نؤمن بأن الاختلاف في الرأي لا يفسد بالود قضية، وأن نحترم الرأي الآخر، بدلاً من أن نجعل من دم الفقيدة بان مشروعًا للطشة ونسيء لها ولذكراها.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

جمال الدين حمي

لماذا لا توجد أحرف أبجدية كوردية خاصة بالشعب الكوردي؟

اللغة كائن حي كما يصفه المختصون في علوم اللغات، واللغة هي وسيلة مهمة للغاية من وسائل التعبير عمَّا يجول في خواطرنا، وكذلك هي غاية في الأهمية من أجل التواصل اليومي مع الناس من حولنا، وبدون وسيلة اللغة التي تسهل علينا عملية التواصل فيما بيننا، سنكون وقتها كالخرسان، وسنتواصل مع بعضنا البعض حينئذٍ بالإشارة، مما سيُصعِّب هذا علينا الحياة كثيرًا، لذا فإن عامل اللغة والنطق بها هي نعمة كبيرة أنعم الله بها علينا كبشر، بأن جعلنا ناطقين، وبهذا ميَّزنا الباري جلَّ وعلا عن الدواب والبهائم، فلله الحمد والشكر.