تقديم خطاب عقلاني وبراغماتي كفيل لتنفيذ اتفاق أربيل بغداد

22-07-2025
سيروان أنور مجيد
A+ A-

في الأسابيع القليلة الماضية، شهد إقليم كوردستان العراق سلسلة هجمات بطائرات مسيرة استهدفت حقول نفطه، مما أثّر بشكل مباشر على الاتفاق بين بغداد وأربيل بشأن النفط.

انّ الذي حدث هو أن هجمات بطائرات مسيرة حدثت على حقول نفطية في مناطق كخورملة في أربيل، وسرسنك وعين سفني  في (دهوك)، دون وقوع إصابات، لكن تسبّبت بأضرار مادية وإغلاق مؤقت لعمليات الإنتاج. 

ووفق تصريح المسؤولين، أدت هذه الهجمات خلال 4 - 5 أيام إلى خسارة إنتاج يقدَّر بـ 140 - 200 ألف برميل يومياً من النفط الكوردي. وكالعادة، تُرجِّح التحقيقات الأولية تورّط ميليشيات موجودة في العراق في هذا الأمر؛ قصد تأزيم الخلافات بين الإقليم والمركز، إلى جانب استهداف اقتصاد الإقليم. وفي الأخير أنّ هذه الهجمات المتكرّرة إن دلّت على شيء حسب المنظور الدولي تدلّ على فشل بغداد - باعتبارها السلطة العليا في العراق - في حماية الحقول؛ بحيث يضعف الوثوق بقدرتها، وهذا ما قد يؤدي إلى مزيد من التدخلات بيد الفصائل المسلّحة.

ويأتي هذا الحدث، في وقت تمّ  التطور في اتفاقية أربيل بغداد في 17 تموز؛ رغم التوتر المتعاقب، وذلك من خلال موافقة حكومة الإقليم على تسليم كامل إنتاج الحقول لنظام التصدير الحكومي (سومو)، بحد أدنى 230 ألف برميل يومياً. وفي المقابل تحصل كوردستان مقابل ذلك على 16 دولاراً لكل برميل تسلّمه إلى بغداد. كما وأنّ الاتفاق يشمل أيضاً تسوية الملفات المالية، عبر تحويل 120 مليار دينار شهرياً من الإيرادات المحلية للإقليم إلى بغداد.

وعليه، فإن الهجمات الأخيرة على الحقول النفطية أدّت إلى خسائر إنتاجية كبيرة في كوردستان، لكن هذه الأزمات ساهمت في تسريع توقيع اتفاقية إعادة تصدير النفط بين أربيل وبغداد، بعد توقف استمر عامين.

ولكن الذي يطفو على السطح الآن، هل الاتفاق يواجه اختبار التطبيق في الواقع، لاسيّما في ظل عدم وضوح من يقف وراء تلك الهجمات وقدرة الدولة على ضبط الحدود الأمنية. ومن ثمّ كيف تراقب تنفيذ الاتفاق على أرض الواقع؟ وهل ستستمر أربيل بتسليم الإنتاج؟ وهل تدفع بغداد المقابل المالي بانتظام؟ ومن يقوم بمتابعة أمن الحقول رغم الاتفاق، فإنّ التهديدات لاتزال قائمة، والحكومة مطالبة بحماية البنى التحتية. وكذلك التحقق من مدى استفادة الشركات الدولية، مثل (DNO) و(Hunt Oil) و(HKN Energy)؛ فضلاً  عن تأثير الاتفاق الجديد على استثماراتها المستمرة أو المؤجلة.

ولكن يرى المراقبون في هذه الزاوية، إنّ رئاسة إقليم كوردستان لها دور محوري ومزدوج في سياق الهجمات بالطائرات المسيّرة الأخيرة والاتفاق النفطي مع بغداد. في مجالات عديدة:

- فسياسيّاً لها دور سياسي تفاوضي حاسم في إعادة تفعيل قنوات التواصل مع الحكومة الاتحادية في بغداد. وفي هذا الصدد، حسبما يقول المراقبون: إنّ رئاسة الإقليم بادرت إلى الدعوة إلى حوار عاجل مع بغداد بعد الهجمات، خصوصاً بعد الضغط الدولي. كما وشاركت بفعالية في صياغة الاتفاق الجديد حول إعادة تصدير النفط وتسوية الملفات المالية، وهو ما يعكس حرصها على الخروج من الأزمة الاقتصادية والسياسية؛ فضلاً عن أنّ  التصريحات الرسمية من رئاسة الإقليم أكدت أن "هذه الهجمات لا تستهدف فقط إقليم كوردستان، بل الاقتصاد العراقي برمّته"، ما يشير إلى نبرة وحدوية تهدف إلى نزع فتيل التصعيد.

- من الناحية الأمنية والدبلوماسيّة، فرغم أن الأمن الداخلي مسؤولية مشتركة بين حكومة الإقليم والبيشمركة من جهة، والحكومة الاتحادية من جهة أخرى، إلا أن رئاسة الإقليم كما بيّنت في مواقعها الأخباريّة أنّها كثفت التنسيق الأمني مع التحالف الدولي وأبلغت الجهات الدبلوماسية الأميركية والبريطانية فوراً بعد الهجمات، مطالبة بغداد بتحمل مسؤوليتها في ضبط الفصائل الخارجة عن القانون، خصوصًا تلك المتهمة بالهجمات. كما وشددت في اتصالاتها مع الوسطاء الدوليين على أهمية تحييد البنية التحتية النفطية عن الصراع السياسي والمسلح.

- من ناحية الحفاظ على التوازن بين الاستقلال المالي والتكامل العراقي، فإنّ رئاسة الإقليم كما تؤكدها فإنّها تؤدي دور الوسيط بين مطالب الشارع الكوردي بالاستقلال المالي، والضغوط الواقعية التي تفرض الانخراط ضمن منظومة الدولة العراقية. فقد وافقت الرئاسة على شاكلة الحكومة تمرير اتفاق يتضمن تسليم النفط إلى سومو، وتسوية مالية شهرية تتضمن تحويلات من أربيل لبغداد، والعكس. وإنّ هذا الموقف، رغم أنه قد يبدو تراجعًا عن "الاستقلال النفطي"، إلا أنه يضمن استمرار الرواتب والخدمات الأساسية.

- من ناحية رسائل رئاسة الإقليم إلى الخارج، فإنّها حسبما يقوله المراقبون إنّها قد بعثت برسائل طمأنة إلى الشركات النفطية العاملة في الإقليم، مثلDNO) ) و (HKN) ، كما وأن الإقليم ملتزم بتوفير الأمن والتعاون الكامل. إلى جانب دعوة المجتمع الدولي للضغط على الجهات التي تستخدم "الدرون" لأهداف سياسية لزعزعة الأمن.

وبقي أن نقول:إنّ رئاسة إقليم كوردستان، بإمكانها كما تؤكدها في سياساتها أن تؤدي دوراً أكبر في إدارة الأزمة بعد الهجمات، وتحقيق اختراق تفاوضي مع بغداد بعد جمود طويل؛ فضلاً عن الحفاظ على وحدة الموقف الكوردي في وقت حسّاس، إلى جانب تقديم خطاب عقلاني وبراغماتي يتجنب التصعيد. وبذلك دورها يكون ستراتيجياً، حيث يكون مزيجاً بين حماية المصالح الكوردية، والاندماج المسؤول في الدولة العراقية، دون التخلي عن خصوصية الإقليم.

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

عملة عراقية

حين تتحول الرواتب إلى خبر عاجل.. أين هيبة الدولة العراقية؟

في معظم دول العالم يستيقظ الموظف صباح يوم الراتب بشكل طبيعي يتفقد حسابه المصرفي ثم يذهب إلى عمله دون أن ينتظر مؤتمرا صحفيا أو اجتماعا سياسيا أو خبرا عاجلا على شاشات التلفزيون، لأن الراتب هناك ليس أزمة، وليس ورقة ضغط، وليس ملفا سياسيا قابلا للمساومة إنه حق ثابت تحميه الدولة وتحترمه المؤسسات.