إقليم كوردستان تحت النار

22-03-2026
شيروان الشميراني
A+ A-
رووداو ديجيتال

غريبة هذه المنطقة وغريب موقع هذا الشعب، ربما ومع الانتشار الملحوظ للحرب والقصف والذي يأخذ مدى أوسع بمرور الأيام في منطقتنا، فإن إقليم كوردستان العراق يتلقى الضربات والهجمات من عدة جهات في وقت واحد، على الرغم من السياسة الواضحة التي سلكتها السلطات من اليوم الأول للحرب، وهي مواقف ليست قائمة على التكتيك، ولا تأتي من ردود الفعل وإنما هي مواقف مبدئية في التعامل مع دول الحرب بإستثناء إسرائيل.
 
لقد تلقت أكثر من 320 هجوماً بالمسيرات والصواريخ في الوسط والشرق، لم تقتصر على الأهداف العسكرية، بل شملت اهدافاً مدنية وأخرى خدمية صرفة تتعلق بحياة المواطن المباشر، من مطارات بعيدة عن الوجود العسكري والمدني الأميركي وأبراج إتصالات الهواتف النقالة، وما قيل إنه مقرّ الأمم المتحدة، وسقوط مسيرات أو أجزاء منها على المنازل وشوارع في احياء سكنية.
 
ربما في ضوء تطورات الحرب الجارية التي ليست هي حرب المنطقة، وإنما حروب تخاض فيها من دون أن تكون لدولها يدٌ أو مصلحة فيها، في ظل هذه التطورات السلبية بالإمكان تفهم استهداف جنود ومصالح أميركية،  وإستهداف القوات الفرنسية بعد تحريك "شارل ديغول"، لكن ما يصعب فهمه هو جعل مراكز القوات الكوردية – البيشمركة- هدفاً متكرراً للمسيرات -الدرون- وليس في مكان واحد حتى يبرر له بأنه كان خطأً بل في عدة أماكن بعيدة في كل من أربيل والسليمانية، وبإصرار على إلحاق الأذى بها، وضرب شركات التنقيب، ومصافي البترول.
 
 في الحرب السابقة تموز 2025، وفي غيرها كانت الفصائل المسلحة التي تجمعت تحت عنوان "المقاومة الإسلامية في العراق" وتفرقت تحت قيادات ومراجع سياسية ترسل مسيراتها بين فينة وأخرى الى حقل "كورمور" النفطي في السليمانية، ضربته مرات عديدة وألحقت أضراراً مادية وبشرية به، تلك المجموعات نفذت هذه الهجمات لأغراض سياسية، كانت ترسل عبرها رسائل إلى القيادة السياسية في الإقليم حين وجود خلافات بينها وبين الحكومة في بغداد، لكن استهداف هذا الحقل وهو بعيد كلياً عن المصالح الأمريكية، شيء غريب، ليس له دلالة سوى الإيذاء الممكن في كل مكان، لهذا الحقل أهمية مباشرة ويومية بالحياة لأنه يزود عموم إقليم كوردستان بنسبة 80 بالمائة من الغاز المولد للطاقة الكهربائية، والحذر من استهدافه في هذه الحرب دفع بالسلطات الى غلقه اختياراً حماية له وحفظاً، والآن سكان الإقليم يستخدمون المولدات الكهربائية الأهلية للحصول على الكهرباء بشكل متقطع بإنتظار انتهاء الحرب الظالمة وعودة النور الدائمة.
 
منذ اللحظات الأولى من الحرب الإسرائيلية-الاميركية على إيران، كانت السلطات الكوردية واعية لمخاطرها، فهي لها تجارب أكثر من غيرها مع أطراف الحرب، تحديداً مع الطرف الإيراني، تعرف كيف تفكر، وكيف تتصرف، فاتخذت سياسات واعية إلى حدّ كبير تثبيتاً للمبدأ ودرءاً للمخاطر التي تأتي على إقليم كوردستان، وقد تأتي عليه من أساسه، لأنها غير محمية من أية مخاطر، وهي مكشوفة أمام أية ضربات باليستية من إيران. وقبلها يكون المتأثر الأول الذي ينعكس عليه الفوضى الناشبة نتيجة الجيرة، وكذلك الوحدة القومية بين سكانه وسكان المناطق الحدودية المتآخمة. لهذا حددت السلطات موقفها بوضوح شديد من دون مواربة أو تحايل في ثلاث نقاط:
 
1- الحياد ومنع اية حركة عسكرية، الحياد السلبي، أي عدم التورط في الحرب مع أية جهة وضد أية جهة، وذلك يعتمد أولاً على السياسة التي سلكتها خلال العقدين الماضيين حيث كان الاميركيون والإيرانيون يتقاتلون في العراق على ذات السبب الذي يتحاربون عليه الآن، وهو طرد أميركا من المنطقة كما تريد طهرن، والدفع بإيران من العراق والمنطقة وحصرها داخل جغرافيتها الطبيعية الوطنية كما تريد واشنطن.
 
إقليم كوردستان كان ومازال على علاقة وطيدة وإيجابية مع طرفي النزاع، علاقة جيرة وتاريخ مع إيران، وواقع المصلحة والتحكم العالمي مع اميركا.
 
2- تجاوز الحياد عند الضرورة تجاه الطرفين الرئيسيين للحرب، أي عندما يتسبب طرف من الأطراف وهنا خاصة الطرف الإيراني بمشاكل ومضايقات كانت أربيل تخرج عن الصمت وتأخذ موقفاً من دون كسر العظم وهدم الجسور التاريخية الرابطة. والتجاوز الإيجابي خلال هذه الحرب أرسلت القيادة الكوردية رسائل ايجابية تحريرية وشفهية وعملية الى المسؤولين في إيران، مثل إرسال السيد مسعود بارزاني أخاه إلى القنصلية الإيرانية لتقديم العزاء لرحيل المرشد الأعلى علي خامنئي، كما وصفه السيد نيجيرفان بارزاني رئيس الإقليم بالشهيد.
 
3- استنكار أعمال الفصائل العراقية المسلحة، خصوصاً استهدافها المناطق السكنية والبنى الاقتصادية والسلك الدبلوماسي. أي أن هؤلاء الجماعات التي لا تتردد في قصف كوردستان، حتى ولو أنها تشارك لصالح إيران، لكن أعمالها تعتبر تعدياً صارخاً على المصالح والسيادة وتشويه للسمعة الدولية للبلد، وخروج على القانون العراقي، وأحياناً ترسل إشارات مرات تكاد أن تسبب بحرب داخلية، وخلق المشاكل بين الحكومتين في أربيل وبغداد، وأخيراً صرّح مستشارية الأمن الوطني محذراً بزجّ البلد في أتون حروب وصرعات، يمكن تجنبها بدون صعوبة.
كل هذه السياسة المرنة والصارمة، وهذا الحياد، وهذا التعامل الإيجابي، كلها لم يحمِ الإقليم من أن يكون تحت النار المباشرة، في مؤسساتها الخدمية والمدنية والإقتصادية ومصادر الطاقة، واستهداف القنصليات العربية والأميركية، فهي تحت النار من الشرق والغرب والجنوب. والوقوع في الفخ مازال ممكناً، ليس بعيداً وذلك جرّاء المحاولات الاميركية والإسرائيلية المتقطعة والهادفة لتوريط الأحزاب الكوردية الإيرانية المعارضة، لأنّ هذه الأحزاب مخيماتها ومقرات لها تقع داخل الإقليم.
 
لكن هل يمكن للسلطات المحلية التغاضي عن الهجمات الجارية والمخاطر المتوقعة؟
 
1- العمل هنا دولي إقليمي، الى الآن لم تستعمل القوات الأميركية قاعدة حرير الواقعة على بعد حوالي 77 كم شمال شرق مدينة أربيل، أقرب القواعد الأميركية للحدود الإيرانية وهذا شيء إيجابي جداً، ينبغي العمل مع الجانب الأميركي لعدم إدخال القاعدة في الحرب ضدّ إيران.
 
2- العمل الجادّ ولو أنه صعب للغاية مع الحكومة في بغداد للجم تلك الجماعات من جعل الإقليم هدفاً للمسيرات والصواريخ، إذ ما من معنى ولا يمكن قبول ولا تفهم شن الهجمات على محطات الطاقة، وذهاب وإياب المسيرات على الأحياء المدنية، بحيث عطلت وزارات التربية والتعليم المدارس والجامعات حذراً من سقوط شظايا مسيرة على احدى المدارس الابتدائية أو دور الحضانة أو الجامعات، ولو حصل فستقع كارثة كبيرة.

 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

صورة تعبيرية

مركز جنيف الدولي للعدالة يدين مقترح إلغاء شرط تصديق رئيس الجمهورية لتنفيذ حكم الإعدام في العراق

أدان مركز جنيف الدولي للعدالة في جنيف (GICJ) "بشدة المقترح المقدَّم من النائبة في البرلمان العراقي، زهراء فاضل الحجامي، لتعديل المواد 285–289 من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لسنة 1971 بما يؤدّي إلى إلغاء شرط صدور مرسوم جمهوري قبل تنفيذ حكم الإعدام."