في العهود الماضية، حُجبت المعرفة عن منابعها الرئيسية، بحيث ضاعت الكثير من الحقائق التاريخية ذات الصلة بالواقع المعاصر، ولم تعد في متناول الأجيال الجديدة. وكانت السلطات الحاكمة، في كل مرحلة، تعيد صياغة المعارف بما يتوافق مع سرديتها الداعمة لمشروعية حكمها، وللأيديولوجيا التي تؤمن بها.
تنطبق هذه الفكرة بشكل خاص على معرفة سياقات تشكّل الدول الحديثة في الشرق الأوسط، مثل سوريا، العراق، لبنان وفلسطين وغيرها. فأغلب النشطاء السياسيين، وحتى من يُدرجون ضمن فئة المثقفين والأكاديميين، لا يمتلكون معرفة موضوعية بتفاصيل تاريخ المئة سنة الأخيرة، وهي المرحلة التي تشكّلت خلالها معظم دول المنطقة، ولاسيما سوريا التي باتت اليوم موضوعاً للسجال والخلاف والاهتمام المتزايد.
إن ما هو رائج ومسيطر على المشهد المعرفي ينبثق من مسلّمة مفادها أن هذه الدول كانت كيانات سياسية ثابتة منذ أمد بعيد، بل يعتقد بعضهم أنها كانت معطىً سرمدياً لا يتغير. ويشتد الحماس لدى آخرين إلى درجة نفي أي صورة تاريخية أخرى تخالف صورتها وحدودها الراهنة، بمعنى الاعتقاد بأن هذه الدول، بمسمياتها وسكانها وحدودها وتركيبتها الاجتماعية والثقافية والدينية والمذهبية، كانت دائماً على النحو القائم اليوم. ونتيجة لضحالة المعرفة العامة، وضعف البحث العلمي، وتحت تأثير التضليل الإعلامي والمناهج المدرسية، بات من النادر أن يتصور أحد أن سوريا المعاصرة، باسمها وحدودها، وبمجتمعاتها وتكوينها القومي والديني، لم تكن موجودة بهذه الصيغة إلا قبل نحو مئة عام فقط.
تكمن المفارقة في أن القوى الكولونيالية الأوروبية لم تكن، بدورها، على دراية كافية بتضاريس المنطقة القومية والثقافية والدينية قبل مرحلة السيطرة عليها وتشكيل هذه الدول، كما لم تكن كلٌّ من فرنسا وبريطانيا مهيأتين لإدارة مجتمعات ما بعد الحرب العالمية الأولى، التي كانت مفككة ومثقلة بتداعيات الحرب. لذلك، ارتُكبت أخطاء جسيمة في عملية رسم حدود هذه الكيانات، بدءاً من التسمية، وصولاً إلى دمج المجتمعات في إطار سياسي واحد، على العكس مما كنا نتصور بأن النخب الكولونيالية الأوربية ومؤسساتها كانت على معرفة بالتفاصيل. فقد كانت الشخصيات واللجان المكلفة برسم الحدود، وتأسيس الحكومات، وتنصيب الحكام جاهلة بالواقع وبالتاريخ معاً. بهذا الصدد يتطرق في سردية غير اعتيادية دافيد فروكومين لمعضلات تأسيس حكومات ودول المنطقة، ضمن كتابه "سلام ما بعده سلام".
وقد أسهب في الكشف عن جوانب الجهل بالواقع، والارتجال في اتخاذ القرارات ابان الحرب العالمية الأولى. فلجنة دو بونسين الوزارية البريطانية التي تشكلت لهذا الغرض، ولكي تخطط لسياسات التقسيم وإعادة تسمية الأقاليم والدول، ارتبكت وترددت لأن أعضاءها لم يكونوا على علم بتفاصيل الواقع، بحيث تعارض عملها أولا مع حدود الكيانات المحلية القائمة، أي نظام الولايات العثماني: "كانت اللجنة لكي تبحث هذه الأمور أن تقرر الأسماء التي ستطلقها على مختلف المناطق التي قد ترغب في تقسيم الامبراطورية العثمانية إليها. وكان مما يبين الروح التي قارن بها أعضاء اللجنة هذه المهمة انهم لم يروا حاجة للتقيد بخطوط التقسيمات السياسية التي كانت قائمة في الامبراطورية، أي الولايات، وشعر أعضاء اللجنة أن لديهم الحرية في أن يعيدوا رسم خارطة الشرق الأوسط بالشكل الذي يرونه مناسباً. وعلى أية حال فقد كان الاتجاه لدى أعضاء اللجنة، شأنهم شأن الطبقة البريطانية الحاكمة بشكل عام، أن يسترشدوا في مثل هذه الأمور بالمؤلفات اللاتينية والإغريقية التي كانوا قد درسوها في المدارس الثانوية، فقد استخدموا التعابير الاغريقية الغامضة التي استخدمت من قبل جغرافيي العصر الهيليني قبل نحو ألفي سنة. وهكذا فإن المناطق الآسيوية الناطقة بالعربية الواقعة شمال شبه الجزيرة العربية أطلقوا عليها بصورة جماعية اسم (بلاد الرافدين) في الشرق، واسم (سورية) في الغرب، مع أن المناطق التي ستشملها كل تسمية لم تكن واضحة. وقد أطلق على القسم الجنوبي من سورية اسم (فلسطين)، وهي تحريف لكلمة (فلستيا) أي الشريط الساحلي الذي كان يحتله الفلسطينيون قبل ظهور المسيح بأكثر من ألف عام. مع أنه لم يكن هناك بلد على الاطلاق سمي نفسه فلسطين، فقد كان هذا الاسم تعبيراً جغرافياً دارجاً في العالم المسيحي الغربي عندما يصفون الأرض المقدسة". 1
وعلى الرغم من ذلك إن تصفحنا أحد أهم كتب الجغرافية اليونانية التي اعتمدوها فنجد أن اسم سوريا قد أطلق على الرقعة الجغرافية التي تقع في غرب نهر الفرات ومحيط مدينة أنطاكيا عند الجغرافي سترابو: "تتاخم سوريا في الشمال كيليكيا وجبل الأمانوس. والمسافة من البحر الى جسر الفرات (من خليج ايس الى الجسر الذي في كوماجينا)، الذي يشكل حد الجهة المذكورة، ليست أقل من 1400 مرحلة. وفي الشرق يشكل نهر الفرات ومنطقة عرب الخيام على هذا الجانب من الفرات حدود سوريا، وتشكل العربية السعيدة، ومصر حدودها الجنوبية، والبحر المصري، والسوري حتى ايس، حدودها الغربية". 2
عرفت سوريا وحددت بجغرافية صغيرة ضمن الامبراطوريات المتصارعة في المنطقة، فظلت خلال أزمنة مديدة تحت الحكم اليوناني فالروماني فالبيزنطي، كما ظلت تحت حكم الامبراطورية الايرانية لفترات طويلة. مع ذلك لم تكتسب صفة كيانية سياسية ضمن هذه الامبراطوريات، بل استمرت كمنطقة تعرف بصفتها الجغرافية فقط حتى العهد الاسلامي، الذي لم يتم خلاله السيطرة التامة والتحكم بكامل مساحتها، لأنه ظل اقليماً ممانعاً للإسلام بسبب تكوينه المسيحي. لذلك شكلت أغلب مناطقها ساحة حرب طويلة الأمد قبل وبعد الحروب الصليبية.
وقد طويت صفحة مسمى سوريا مع انتشار كتب البلدانيين العرب والمسلمين وتصانيفهم، وغلب على تسمية المنطقة ببلاد الشام، هذا الاقليم الذي احتوى على جزء من جغرافية سوريا (اليونانية) إضافة إلى مناطق كانت قد صنفتها الجغرافيا اليونانية ضمن البلاد العربية. ومن الناحية السكانية، فقد استمرت سوريا حاضنة لمجتمعاتها المسيحية، بل قاعدة ومنطلق للمسيحية حتى أواخر العهد العباسي، بحيث أجمعت كتب الجغرافيا العائدة للبلدانيين المسلمين على أن بلاد الشام هي ذات تركيبة سكانية مسيحية، بل عدها آخرون مسيحية بصفة مطلقة (كلها نصارى)، بمختلف طوائفهم. فعلى سبيل المثال، ذكر ابن الفقيه (توفي حوالي سنة 951 ميلادية): "والقبط والشام كلها نصارى يعقوبي وملكي ونسطوري ونيقلاني، وركوسي ومريقيوني وصابي، ومناني. الحمد لله على الاسلام". 3
استمرت سوريا مركزاً للمسيحية المشرقية، كما ظلت أكثرية مجتمعاتها تدين على الأرجح بالمسيحية في عموم بلاد الشام (سوريا الكبرى) حتى أزمنة متأخرة. على الرغم من أن الحكم كان اسلامي الطابع والسمات. المثير من الزاوية السياسية أن كيان سوريا المعاصر، كان أيضاً في جوهره فكرة مسيحية، وأن المسيحيين، وخاصة الأرثوذكس هم من حافظوا على استمرارية اللغة العربية، التي تم تعويمها دينياً ومدرسياً وسياسيا من قبلهم، كما قاموا بالترويج للعروبة السياسية في وقت مبكر. ففي سردية لأستاذ التاريخ المعاصر مالكولم ياب نجد اسناداً بهذا الخصوص: "الطوائف المسيحية كانت مبعثرة في مناطق العرب في سورية، ولم يكن لديهم لغة تختلف عن لغة جيرانهم المسلمين. ولم يكن هؤلاء المسيحيون الذين كانوا يأملون في تحسين وضعهم عن طريق ترتيبات سياسية جديدة بمنحهم سلطة أكبر لتسيير شؤونهم الذاتية لم يجرؤوا على المطالبة بالولاء للطائفة الدينية، بل كان عليهم أن يجدوا طريقة ما ليضعوا طموحاتهم قالب يروق كذلك للمسلمين السوريين.
وفي هذا السياق، بدأوا يتحدثون عن العروبة كثقافة وهوية لغوية منفصلة عن الدين، ويتحدثون عن سورية كوحدة جغرافية وتاريخية. وكانت أكبر طائفة سورية عدداً هي الروم الأرثوذكس التي كانت كذلك تدرك جيداً مفهوم سورية كوحدة سياسية، لأن سوريا كانت تماثل تقريباً حدود بطريركية إنطاكية وهي وحدة الملة التي يعيشون في كنفها، والتي تعتبر المنبر الرئيس لطموحاتهم. ومن خلال صراع جرى داخل طائفة الروم الأرثوذكس في انطاكية بدأت العروبة تحظى بأهمية سياسية وذلك لأن كبار رجال الدين كانوا يونانيين. اما صغار رجال الدين (دون الاكليروس) فقد كانوا من الناطقين بالعربية. وفي منتصف القرن التاسع عشر، بدأ الصراع من اجل السيطرة على شؤون الطائفة، وتعين على الناطقين بالعربية التركيز على هذا الأمر. لذلك كان من آثار جعل الملة علمانية منح تركيز عربي أكبر على الأرثوذكس السوريين.. في سياق مواز لم تكن الغالبية الساحقة من المسلمين السوريين تولي اهتماماً بفكرة العروبة، وإن وجدت كان اهتماماً ضئيلاً". 4
في ضوء السجالات الراهنة، من الحكمة تناول المتغيرات الجغرافية والديمغرافية والمجتمعية والثقافية التي طرأت على سوريا بقدر عالٍ من الحساسية والجدية، وعدم التعامل معها بوصفها معطىً تاريخياً وجغرافياً ثابتاً منذ الأزل. كما أن مفهوم الأغلبية يظل نسبياً، وهو في جوهره اختراع سياسي أوروبي، ولا يصح اعتماده معياراً وحيداً للشرعية إلا ضمن سياقه التاريخي.
فمن المرجّح أن سوريا، بحدودها الراهنة، لم تكن ذات أغلبية عددية مسلمة أو عربية إلا في العصر الحديث، ولاسيما بعد التحولات الديمغرافية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، نتيجة الهجرات البدوية، وتزايد الولادات في المجتمعات الإسلامية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
سوريا التاريخية كانت، بصفة عامة، مسيحيةً مجتمعاً ومعتقداً وثقافةً، وقد شكّلت بيئةً للاعتدال والإنتاج والتعايش. وليس لدينا تأكيدٌ حول ما إذا كانت بعض مؤسسات الغرب، ومعها حكومة تركيا، قد ارتكبت الخطأ السابق نفسه بحق «سوريا الجديدة»، عندما سهّلت عملية استلام «هيئة تحرير الشام» دفة الحكم في دمشق. كما يتبادر إلى الذهن التساؤل عمّا إذا كان هذا الخطأ ناتجاً عن الجهل بهذه الحقائق المذكورة أعلاه، وبالتالي بواقع تكوين سوريا وجذورها ومناخها ذي الطابع المسيحي، أم أن القرار يرتكز هذه المرة على المعرفة، وقد تم اتخاذه بعد دراسات مستفيضة لتوظيفه، على غرار توظيف "طالبان" في أفغانستان.
تكمن المفارقة السياسية في مساهمة القوى الفاعلة في ترتيب حكم "سوريا المسيحية" في العمق من قبل فصائل إسلامية متشددة، حيث ترتفع درجة خطورة القرار مع احتمالات توظيف هذا التناقض في سياق خطة ممنهجة. ولا شكّ أن الانتقال السريع من نظام حكم دكتاتوري دموي إلى حكم إسلامي متشدد سيسبّب جملةً من المعضلات والأزمات، حتى داخل المجتمعات السورية المسلمة. فطبيعة مجتمعات سوريا المتنوعة والمترابطة تاريخياً، بما يعني رسوخ انتماءاتها وتشابك هوياتها الفرعية، لا تتقبّل بسلاسة فرض حكم إسلامي متشدد، الأمر الذي لا بدّ أن يعيد إنتاج أشكال العلاقة التاريخية بين الحكم الإسلامي والرعايا المسيحيين. وعلى الرغم من أن المجتمعات المسيحية ليست طارئة على سوريا، وقد مرّت بمراحل وفاق مع أنماط الحكم الإسلامي سابقاً، فإنها، بكل طوائفها، تُعدّ من أصحاب الأرض، متجذّرةً وموزّعةً في جميع مناطقها. ولكل ذلك، يتساءل العديد من المراقبين عن مستوى الحكمة وجوهر المقصد من فرض حكم إسلامي متشدد عليهم، وبالتالي على جميع مكوّنات سوريا. فهل تشكّل هذه الترتيبات، المصحوبة بحملة ترويج إعلامي غير مسبوقة، مقدّمةً لتوطين حالة عدم الانسجام، وبالتالي تغذية وإنتاج صراعات بينية طويلة الأمد؟.
ومهما تمسّكنا بالاحتمالات المثلى، ورجّحنا الفرضيات الإيجابية، فإن اتجاهات توظيف هذه المفارقة – بوصفها ظاهرةً سياسيةً غير مسبوقة – ستكون من أهم محددات مستقبل سوريا السياسي والاجتماعي. وينبغي الانتباه إلى عمليات الترويج لمشروعية الحكم الجديد التي تُربط قسراً بمشروعية "الأغلبية العددية الجامدة" في مقابل "الأقلية المفترضة"، وهو ما يفرض، استراتيجياً وعلمياً، عدم الركون إلى سطحية خطاب "الأكثرية"، ورفض الإفراط في توظيف الكثرة العددية الاعتبارية، كما يقتضي عدم استخدام الأرقام المقتطعة من سياقها التاريخي في القضايا السياسية الشائكة، وعدم الاستخفاف بجذور سوريا الحضارية في عملية التأسيس لسوريا الحرة الجديدة. ومن الضروري التأني في قراءة واقعها المركّب، وتجنّب إطلاق الأحكام المختزلة، بما يتيح رسم مسار مستقبلٍ مزدهرٍ لسوريا وأجيالها القادمة.
==========
1 دافيد فروكومين (1992). سلام ما بعده سلام، ولادة الشرق الأوسط 1914 – 1922. ترجمة: أسعد كامل ألياس. ط1، لندن – قبرص: رياض الريس للكتب والنشر. ص163
2 سترابون. الجغرافيا. سبعة عشر كتابا في جزأين. ترجمة: د. حسان ميخائيل إسحاق، ج1 – ج2 دمشق -2017، ص306
3 ابن الفقيه، أبي بكر أحمد بن محمد الهمذاني. مختصر كتاب البلدان. طبعة ليدن – مطبعة بريل 1302 هجري الموافق ل (1885) ميلادي. ص77
4 مالكوم ياب. نشوء الشرق الأدنى الحديث (1792 -1923)، ترجمة خالد الجبيلي، الطبعة الأولى 1998، دمشق: الأهالي للطباعة والنشر. ص 228 -229
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً