يقف العراق اليوم أمام لحظة فارقة ربما هي الأهم منذ عام 2003، لحظة يتقاطع فيها الإرث الثقيل مع الأمل الكبير، ويتزاحم فيها وجع الماضي مع تطلعات المستقبل، وتُطرح فيها أسئلة واقعية لا تحتمل المجاملة: هل يستطيع العراق حقاً النهوض من جديد بعد انتخابات 2025؟ وهل يمكن أن تتحول هذه الانتخابات من حدث سياسي عابر إلى نقطة تحول تاريخية تُعيد للدولة روحها وللمجتمع ثقته ولنظام الحكم توازنه؟ وما الذي سيصنع الفرق هذه المرة؟.
إن الإجابة على هذه الأسئلة تبدأ من فهم طبيعة المرحلة التي يعيشها العراق. فالدولة رغم كل ما مرّت به ماتزال تمتلك واحدة من أغنى البنى البشرية في المنطقة، إذ تشير التجارب الحديثة إلى أن العراقيين كلما تعرضوا للأزمات أظهروا قدرة مدهشة على الصمود والتحول والإبداع. فعقب هزيمة داعش عام 2017 استطاع العراقيون إعادة فتح المدارس، وإعمار أحياء مدمّرة، وإعادة تشغيل منشآت نفطية، في وقت كانت دول أخرى تحتاج لسنوات مضاعفة للقيام بما فعله العراقيون خلال أشهر قليلة، وهو مثال حي يثبت أن الشعب ليس هو المشكلة، بل المشكلة في الإدارة السياسية وضعف التخطيط وغياب الرؤية.
انتخابات 2025 تقدّم فرصة ذهبية لإعادة بناء هذه الرؤية. فالعراق لم يعد يحتمل التجريب ولا السياسات ردّ الفعل؛ لقد أصبح بحاجة إلى مشروع وطني يُدار بعقل الدولة لا بمنطق الأحزاب، ويستند إلى ثلاث ركائز كبرى: الاستقرار السياسي، الإصلاح المؤسسي، والتنمية الاقتصادية. ومن دون هذه الركائز لن يتحقق أي نهوض مهما كانت الوعود أو الشعارات.
في الجانب السياسي، يمكن للعراق أن ينهض إذا تحولت نتائج الانتخابات إلى حكومة قادرة على اتخاذ القرار بعيداً عن الضغوط المتعددة، حكومة تُعيد هيبة الدولة وتضع حداً لازدواجية القرار الأمني والإداري. فالاستقرار السياسي ليس ترفاً، بل هو مفتاح كل إصلاح اقتصادي وأمني. ومثال ذلك التجربة التي شهدها البلد بين عامي 2008 و2012، حينما أدى قدر نسبي من الاستقرار إلى ارتفاع النمو الاقتصادي، وتحسّن الخدمات، وتراجع مستوى التفجيرات، وزيادة الاستثمارات الأجنبية. هذا النموذج يمكن استعادته وتطويره إذا توفرت إرادة حقيقية بعد انتخابات 2025.
أما الإصلاح المؤسسي فهو العمود الفقري للنهوض. فلا يمكن لعراق يمتلك ثروة نفطية هائلة أن يبقى أسيراً للروتين والفساد والبيروقراطية الثقيلة. المؤسسات القوية ليست شعاراً، بل هي إجراءات مثل رقابة مالية صارمة، وقوانين تُطبق على الجميع، وإدارة تعتمد الكفاءة لا المحسوبية، وشفافية تجعل المواطن شريكاً في مراقبة الدولة لا مجرد متلقٍ لوعودها. وقد أثبتت تجارب دول مثل جورجيا ورواندا أن الإصلاح المؤسسي قادر على تحويل دول منهكة إلى دول صاعدة خلال أقل من عقد، بشرط توفر الإرادة السياسية والمساءلة.
وفي الجانب الاقتصادي، يمتلك العراق واحدة من أهم الفرص في تاريخه الحديث، فالعالم يشهد انتقالاً اقتصادياً ضخماً، وأسواق الطاقة تتغير بسرعة، والمياه والغذاء أصبحا ملتقى الصراع العالمي. وإذا استثمر العراق موقعه الجغرافي، وحدوده الطويلة، وارتفاع احتياطياته من النفط والغاز، والأهم قدراته البشرية الشابة، فإنه قادر على بناء اقتصاد متنوع لا يعتمد على النفط وحده. ويمكن الاستفادة من أمثلة ناجحة حدثت داخل العراق نفسه؛ فمحافظات مثل أربيل والبصرة والنجف نجحت في جذب الاستثمار الخاص حين توفر لها الاستقرار النسبي، ما يشير إلى أن الإمكانات موجودة ولكنها تنتظر بيئة صالحة.
ولا يمكن الحديث عن النهوض دون التطرق إلى الأمن. فالعراق الذي استطاع دحر واحدة من أخطر التنظيمات الإرهابية في العالم قادر على ترسيخ أمنه الداخلي إذا تم دعم الأجهزة الأمنية مهنياً، وتحديث منظومة السلاح، وتطوير التعاون الاستخباري، والأهم اعتماد سياسة أمنية مبنية على سيادة الدولة وحدها. الأمن ليس فقط غياب السلاح المنفلت، بل هو أيضاً وجود دولة قوية تفرض القانون وتحتضن المواطن وتحمي حقوقه.
ويبقى الوعي الشعبي أحد أهم وأقوى المتغيرات التي تمنح العراق فرصة حقيقية للنهوض. فالمواطن العراقي اليوم لم يعد كما كان قبل عشر سنوات؛ فقد أصبح أكثر قدرة على التمييز بين البرامج الواقعية والشعارات الفارغة، وأكثر إصراراً على المطالبة بالخدمات، وأكثر اهتماماً بمراقبة الأداء الحكومي عبر الانتخابات والإعلام ومواقع التواصل. وهذا التحول الشعبي يشكل ضغطاً إيجابياً يدفع نحو الإصلاح ويمنع العودة إلى الممارسات التي أرهقت الدولة لسنوات طويلة.
لكن السؤال الأعمق هو: ما الذي سيجعل انتخابات 2025 مختلفة عن كل ما سبق؟ الجواب يكمن في حجم التحديات التي تراكمت، وفي التغير الكبير في وعي الجيل الجديد، وفي أن العراق لم يعد يمتلك ترف إضاعة الوقت. فكل تأخير في الإصلاح يعني خسارة فرص تنموية، وتراجعاً في مستوى المعيشة، واستمراراً في اعتماد الاقتصاد على النفط وحده، بينما العالم يسير بسرعة نحو اقتصاد ما بعد النفط. لقد أصبح الوقت عاملاً ضاغطاً وليس مجرد رقم في التقويم.
إن قدرة العراق على النهوض ليست وهماً ولا حلماً بعيداً، بل هي إمكانية واقعية إذا ما تحولت الرؤية إلى خطوات عملية ذات أثر مباشر. ويمكن تلخيص عناصر النهوض في خمسة مسارات: حكومة قوية وفاعلة، مؤسسات نزيهة، اقتصاد متنوع، أمن مستقر، ووعي شعبي يقظ. وإذا التقت هذه المسارات فإن العراق قادر ليس فقط على النهوض، بل على التحول إلى قوة إقليمية مؤثرة، خصوصاً وأن موقعه الجغرافي وحده يجعله ممراً استراتيجياً للتجارة والطاقة، وركناً أساسياً في معادلات الشرق الأوسط.
وفي الختام يبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة: هل ما بعد انتخابات 2025 سيكون بداية عراق جديد، أم استمراراً لدورة الأزمات؟ والجواب ليس بيد السياسيين فقط، بل بيد الجميع: الدولة، المجتمع، المؤسسات، والنخب الأكاديمية. وإذا ما توحدت الإرادات وارتفع صوت الحكمة على صوت الصراع فإن العراق ليس فقط يستطيع النهوض، بل يمكنه أن ينهض بقوة ويستعيد دوره الطبيعي دولةً محورية ذات وزن سياسي واقتصادي يتناسب مع تاريخه العريق وطموح شعبه الذي لم يتخلَّ يوماً عن الأمل.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً