قراءة نقدية لدستور سوريا لعام 2012

21-05-2020
حواس خليل سعدون
الكلمات الدالة دستور سوريا
A+ A-

 
يقول الدكتور يحيى الجمل أن الدساتير توضع عندما يتقرر أن تنتقل السلطة في الدولة أي دولة لا على التعيين من سلطة مطلقة إلى سلطة مقيدة، بمعنى وجود قواعد عليا في السلم القانوني للدولة يخضع لها الحاكم والمحكوم، وهذه الخطوة مهمة في تاريخ الإنسانية لأنها في الواقع تعني ولادة الدولة القانونية أو دولة القانون أي الدولة التي يتساوى فيها المواطنين جميعا بصرف النظر عن أجناسهم وأديانهم.

ومع أن الغاية المرجوة من إصدار الدستور الذي اعتمده نظام بشار الأسد منذ عام 2012 لم تتحقق بعد بالرغم من مضي ما يزيد عن ثمانية سنوات على إصداره إلا أن ذلك لا يمنع من إبداء ملاحظاتنا حول بعض بنوده إذ كان رئس النظام في سوريا قد اصدر المرسوم رقم 94 لعام 2012 القاضي بأن ينشر في الجريدة الرسمية دستور البلاد الذي يعد نافذا من تاريخ 27 شباط 2012 وهو تاريخ اعتماد الدستور الجديد في سوريا بالرغم من عدم شرعية هذا الدستور، لأن الملايين من السوريين كانوا يطالبون بإسقاط هذا النظام الذي شرع لنفسه إصدار الدستور ورغم ذلك كان مقاربته خاطئة وغير منصفة للكثير من القضايا المتعلقة بالواقع الحقيقي للشعب السوري بمختلف مكوناته، لذلك نرى أن هذا الدستور لا يصلح كقاعدة لبناء أسس سوريا المستقبل وسوف أحاول في هذه القراءة أن أسلط الضوء على بعض المواضيع الأساسية 

التنوع في سوريا

يجري الحديث في مقدمة الدستور وفي المادة 1 منه عن الهوية السورية العربية وعن الوطن العربي والأمة العربية، وهذا يخلق انطباعاً بأن الشعب السوري الذي يملك حضارة عمرها 7000 آلاف عام من التنوع والتمازج الحضاري مؤلف من المكون العربي فقط، وهذه الرؤية لا تعكس الواقع في سوريا وتخلق شعورا سلبيا وحالة اغتراب عند كل الاثنيات الأخرى من الكورد والتركمان والسريان الآشوريين وغيرهم من المكونات القومية وخاصة لدى الشعب الكوردي الذي يشكل ثاني أكبر قومية في البلاد من حيث العدد وهم يعيشون على أرضهم التاريخية، لأن دستور بلادهم لا يعترف بوجودهم وهو ما يؤدي إلى بقاء حالة الغبن المزمن الذي سيبقى طالما هناك شريحة كبيرة من الشعب السوري يعاني من التهميش ويسري هذا الأمر على المادة الثالثة من الدستور  التي تنص على أن يكون الإسلام مصدر للتشريع وعلى هذا الأساس يتم استبعاد فئات سكانية مثل المسيحيين/ المسيحيات والايزيديين/ الايزيديات والدرزيين/ الدرزيات. 

على ضوء ذلك فإن الاعتراف بـ"التعددية الثقافية" الذي تمت صياغته في المادة ٩ غير مقنعة، لاسيما بأنه لا يشير إلى المعايير الدولية لحقوق الأقليات، أو بالأحرى إلى الحماية القائمة للأقليات، بموجب مواثيق الأمم المتحدة، وعليه لابد بأن يشير الدستور الجديد بشكل واضح إلى التنوع الثقافي واللغوي والعرقي والديني والمذهبي. 

لابد من إقرار دستور سوريا الجديد بالحقوق القومية والسياسية والثقافية لمكوناتها القومية من العرب والكورد والتركمان والسريان الآشوريين، ولا بد من وجود فقرة واضحة تراعي التنوع السكاني في سوريا عند تحديد الاسم والعلم والنشيد الوطني وغيرها من رموز الدولة، فضلاً على ذلك ينبغي أن يعترف الدستور بكل من اللغات العربية والكوردية والتركمانية والسريانية كلغات رسمية ذات مكانة متساوية على المستوى الاتحادي مع الاحتفاظ باللغة العربية كلغة  مشتركة بين جميع السوريين، بالإضافة إلى ذلك ينبغي أن يعكس نظام التعليم الاعتراف بالتنوع في سورية، على أن يتم إعداد مواد الدستور الملائمة لتحقيق هذا الغرض.

ختاماً يجب أن يواجه الدستور التمييز ضد غير المسلمين/المسلمات بدلاً من تكريس هذا التمييز، كما ينبغي من خلال الدستور فرض احترام وحماية حرية العقيدة والضمير للجميع وضمان هذه الحرية لجميع السكان على كل مستويات الدولة السورية، وعلى الدولة معاملة جميع المجموعات الدينية والمذهبية بالاحترام والتصرف بحيادية في القضايا الدينية والمذهبية.

حقوق الإنسان

يقر دستور 2012 في مقدمته بحقوق الإنسان، كما نُوقشت هذه الحقوق بصورة جزئية في الباب الثاني من الوثيقة، لكن اللائحة المدرجة هناك ليست مكتملة أو مرتبطة بإقرار حقوق الإنسان التي تنص عليها مواثيق الأمم المتحدة والمعتمدة دولياً.

أرى بأن الاحترام والحماية وتفعيل قوانين حقوق الإنسان كوظيفة أساسية لكل دولة وهذا يملك أهمية خاصة نظراً إلى ماضي سورية القريب الذي تعرضت فيه حقوق الإنسان للانتهاك بصورة فظيعة.

إن السبب الأساسي للأزمة الحالية يعود إلى حجب الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية عن قطاعات واسعة من الشعب السوري، لذا يجب أن يفصل الدستور السوري المستقبلي كيفية قيام الدولة السورية باحترام وحماية وتفعيل حقوق الإنسان وفق المقاييس المعتمدة دولياً، ولضمان ذلك أرى من الضروري أن يكون نظام الحكم في سوريا برلماني، مؤلفاً من غرفتين يتم انتخاب ممثلين الشعب السوري عبر انتخابات حرة ومباشرة، ويحدد القانون الانتخابات عدد أعضاء مجلس النواب والدوائر الانتخابية والغرفة الثانية تسمى بمجلس الشيوخ أو الجمعية الوطنية، وتتكون من ممثلي مكونات المجتمع السوري وذلك لضمان المشاركة الحقيقية لجميع فئات الشعب السوري وتعزيز الوعي السياسي وعملية الرقابة والمحاسبة والشفافية ومنع استئثار مؤسسة او شخص بمفرده بصناعة القرار، وذلك لرفع سوية عمل المؤسسات الحكومية وجعلها اكثر فاعلية وقبولاً في السياسة العامة الداخلية والخارجية للدولة لأنها تحظى بشرعية مصدرها الشعب.

وأرى أن ينص دستور سوريا المستقبل على تشكيل لجنة مستقلة خاصة بحقوق الإنسان على أن يتم اختيارها من قبل المجلس الأول والثاني ورئيس / ة الدولة ولجنة تعيين القضاة عضوا من أعضاء لجنة حقوق الإنسان، ويقوم هؤلاء بدورهم تعيين ثمانية أعضاء على أن يكون فترة العضوية ست سنوات وقابلة للتمديد مرة واحدة، وأرى أن تخصص على الأقل نسبة 30 بالمائة من مقاعد أعضاء اللجنة للنساء وتراعى تمثيل مكونات المجتمع، وأن تتولى اللجنة مهمة توثيق أوضاع حقوق الإنسان وتلقي الشكاوي وصياغة التقارير ورفع التوصيات إلى المشرع والحكومة والأجهزة الإدارة والمحاكم ويخضع لإشراف البرلمان، كما تقدم الدعم في تطبيق الالتزامات الدولية في شؤون حقوق الإنسان وتنشط في البحث العلمي والتعليم ولها الحق في الحصول على المعلومات من المؤسسات الحكومية والدخول إلى جميع المؤسسات التي تنفذ فيها مهام حكومية، ومن الضرورة أن تكون لها موارد مالية خاصة لتدير شؤونها بذاتها وتقوم بإنشاء وتنسيق أعمال لجان حقوق الإنسان الاختصاصية ولاسيما لجنة المساواة ومناهضة التعذيب ولجنة حقوق الطفل.

 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب