في نوروز قيل الكثير، وفي نوروز يقال الكثير، لأن الاسم المركَّب ومعناه "اليوم الجديد" مرتبط بشعب قيل فيه الكثير، ويقال فيه الكثير، ولكنه، كما هو نوروز بمعناه ومغزاه، يعني أنه أنه مقيم في الحياة، وأنه يحب الحياة، وأنه شعب مقيم في التاريخ مذ كانت الطبيعة، وهي تجدد في نفسها، في قلبها، وروحها، وأن الطبيعة تعيش قانونها في إظهار قواها، جمالها، وحلاوتها، جدَّتها، وقوتها الضاربة كذلك.
هكذا يصبح الشعب الكردي معروفاً بنوروزه الذي لا يقتصر على الكورد وحدهم بمعناه سنوياً، من كل "21" آذار، كما هو معروف، هكذا يصبح نوروز متكلماً لغة الكورد، استعداد الكورد الدائم لأن يظهر حبه للحياة، للطبيعة، للآخرين، فمن يظهر وينتشر في الطبيعة، مترنماً بكل الأغاني المعبّرة عن يوم كهذا، يعني أنه محب للسلام والإخاء كذلك وفي نوروز من كل عام ينبثق نوروز جديد، تعبيراً عن جديد آخر.
في كل نوروز، أنّى وجد الكورد تعلِن ناره وهجَه في كل بيت، في كل منعطف شارع، على أسطح البنايات، في مفارق الطرق، في أحضان الغايات، في أحضان الطبيعة، في السهول والسهوب، وقيعان الوديان، في مداخل القرى والمدن، على قمم الجبال، تعبيراً عن أن هناك شعباً يحمل في روحه مثل هذا الوهج، وأنه موجود متأصل في المكان، في سهوبه وسهوله، ووديانه، وغاباته، في قراه ومدنه وبلداته، وعلى ذرا الجبال، عالياً عالياً تترجم نار نوروز مثل هذه الإرادة، معانقة لنار كاوا الحداد، وتجديداً لروح كاوا، على أن ناره لن تنطفىء، أن الذين سيحتفلون بمثل هذا اليوم، إنما يحافظون على الأمانة، أمانة تاريخية، وأمانة الرمز: وهي أنهم لا يرضخوا للظلم، للطغيان، وللاستبداد، أنهم بذلك ماضون بشعلة نوروز على مدار العالم، كل عام، تتقدمهم نارهم رفضاً لكل مستبد، ويعلوهم نورُهم تعبيراً عن أنهم محبون للخير، للعطاء، للانفتاح على الآخرين، محبون للحرية، للعلم، للخير، والنور فيه كل المعاني التي تصل ما بين البشرية جميعاً.
وفي نوروز يُسلّم نوروز السابق شعلته التي لم تنطفىء لنوروز اللاحق، وبود وشوق، واللاحق يحافظ على الأمانة لأنها تخص شعباً له أصوله العريقة في التاريخ، كما هي جباله التي تشهد على علوّ ناره وسموّ نوره، وكسابقه، يمارس حياته بين نار يواجه بها أعداءه، ونور يلتقي به محبو الخير والسلام والحرية.
ومن نوروز ينبثق نوروز آخر، وباسم الكورد جميعاً كما هو يومه، كما هو مقدَم ربيعه، يتعمم نوروز في الأمكنة، في الجهات كافة، منيراً الطبيعة بحضور أهليه الكرد، ومنيراً روحهم، حيث يتردد صدى: Newroza we pîroz be نوروزكم مبارك، بصيغة الجمع، تعبيراً عن أن هناك الكل في المفرد، أن المفرد في هذا اليوم يعيش فرح الكل، العام، أو الجميع، وفي ذاكرة جماعية تشع نوروزاً.
في نوروز تبتهج البيوت بالفرح الذي تبثه نار نوروز
تفتح الطرق مداها نزولاً عند رغبة نوروز، وإرادة حاملي شعلة نوروز
الخطى مشدودة حباً إلى الخارج
المصافحات تصل ما بين الأيادي
الاشتياقات تقرّب ما بين القلوب
الحنين يزيد في نور العيون وتوقها إلى التلاقي
المحبة لا تترك أي مسافة بين الأحضان
الطفل يتنشط مأخوذاً بنوروز طفولته القادمة
اليافع يتحفز نوروزياً بروحه لحياة جديدة
الشاب يتحرك حباً للقاء من يحب
الرجل يبتهج روحاً بين أفراد أسراته وفي لقاء من يجاورونه نوروزياً
وفي نوروز ما يضيء صفحة نوروز
سماء تسلم على نفسها: Newroza te pîroz be
أرض تسلم على نفسها: Newroza te pîroz be
سماء تسلم على أرض: Newroza te pîroz be
أرض تسلم على سماء: Newroza te pîroz be
هواء يسلمّ على نفسه: Newroza te pîroz be
ماء يسلم على نفسه: Newroza te pîroz be
حجر يسلمّ على حجر : Newroza we pîroz be
شجر يسلم على شجر: Newroza we pîroz be
طريق يسلم على طريق: Newroza we pîroz be
واد يسلّم على واد: Newroza we pîroz be
سهل يساّم على سهل : Newroza we pîroz be
نبع يسلم على نبع : Newroza we pîroz be
نهر يسلم على نهر: Newroza we pîroz be
جبل يسلم على جبل: Newroza we pîroz be
طائر يسلّم على طائر: Newroza we pîroz be
سمك يسلم على سمك: Newroza we pîroz be
غزال يسلّم على غوال: Newroza we pîroz be
أرنب يسلم على أرنب: Newroza we pîroz be
غريب يسلم على غريب: Newroza we pîroz be
نوروز الاسم الواصل بين الجميع، في عالمية اللفظ وعمق الدلالة، ليصبح نوروز رسالة الكوردي بأرضه وسمائه، بشعبه، وتاريخ، بثقافته وحضوره الأصيل في أرضه.
نوروز لم يعد مجرد يوم عادي، إنه الاستثناء من بين جميع أيام السنة، فما يجري في نوروز، وما يُرى في نوروز هو استثنائي بالمقابل، لكأن كل أيام السنة تأتي من حيث تكون، لتعيش حيويات هذا اليوم، وتشهد على الجاري فرحاً وابتهاجاً وحباً وعشقاً، لكأن هذا الاستثناء الذي عرِف به الكورد هو التعبير الأكثر دلالة على أنهم الاستثناء من بين شعوب في مثل هذا الوضع، الشعب الذي يعبّر عن نفسه، عن وجوده، وكينونته، وقوميته في الصميم، وتوقه إلى الحرية باستمرار، بمثل هذه الطريقة، وأن نوروز دائم، أبدي، وأن الكورد شعب أبدي في التاريخ، في الجغرافية، كما يشهد بذلك دمه المسفوك والمبارَك من أجل حريته، نضاله الدائم حباً بالحرية التي لا يرضى عنها بديلاً، إصراره المستمر على المساواة والمحبة، كما يقول تاريخه، ووجوده بين الآخرين، رغم ألوان الضغط عليه.
إن شعباً يُعرَف برباطة جأشه، وديمومة حبه للحياة، والحرية، وهو في جمعه بين نار تعني صلابة إرادته في مقاومة ألوان الظلم كافة، ونور، يعني انفتاحه الروحي على الآخرين، وحباً للحياة، والتعايش السلمي والسكَينة، والأمان والمساواة والتعاون المشترك، يعني أنه باق ٍ أبداً .
هل هناك ما هو أجمل من عظيم رسالة نوروز.
لهذا، وإزاء ما تقدم، أقول للجميع، كورداً وغير كورد: Newroza we pîroz be.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً