للشعائر أهمية كبيرة في الإسلام من النواحي التعبدية والاجتماعية والاقتصادية، حيث ترتبط بها أهمُّ أركان الإسلام، كما في الصلاة والصوم والزكاة والحج إلى بيت الله الحرام.
وقد جعل الإسلام من الشعائر معالم للعبادة والتقوى والأعمال الصالحة، كما جاء ذلك في الآية الكريمة { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ} (الحج: 32).
أما الطقوس فمفردها طقس، وهي رموز لا تحمل دوماً دلالات دينية، وإنما تصطبغ بها في أكثر الأحيان، وترتبط غالباً بالعادات والتقاليد والقصص والأساطير، وتختلط بالشعائر الدينية، حيث ترتفع إلى مستوى العقيدة، كما أن من أهمِّ خصائصها أنها تميل إلى التكرار والاستمرارية شأنها في ذلك شأن الشعائر، من أجل تكريس ديمومة الطقس وإعادته في كل مناسبة كما كان في الماضي، والطقوس فعاليات وأعمال تقليدية لها في الأغلب علاقة بالدين وبالسحر، ويحدد العرف أسبابها وأغراضها.
والطقوس مشتقة دائماً من حياة الشعب الذي يمارسها، وتعتقد الشعوب البدائية أن أداءها يرضي الآلهة والقوى فوق الطبيعية، وعدمه يسبِّب غضبها ويجلب نقمتها.
وتجري في الطقوس فعاليات مختلفة، كالرقص وتقريب القرابين وترديد التراتيل، وتتعلق الطقوس بكثير من فعاليات الإنسان الاقتصادية، وترتبط بالبناء الاجتماعي لمجتمعه أو بيئته، وبما يشعر به من أحاسيس، وما يرنو إليه من آمال.
وغالباً ما يكون أداء الطقوس غير منفصل عما هو مقدَّس، الذي هو الحافز المسيطر على جميع الشعائر والطقوس، وهو ما يولِّد علاقة حميمة بين الحياة الاجتماعية العادية وبين ما هو مقدَّس.
وبمعنى آخر: إنها إحياء لتجربة مقدَّسة والتقرب بواسطتها إلى العالم المقدَّس، بهدف إعادة التوازن الداخلي للإنسان الحائر والمضطرب والمشوش، فهي بهذا طريقة لتهدئة قلق الإنسان وشكوكه حين يقف حائراً أمام تساؤلاته المصيرية التي قد لا يجد لها جواباً شافياً.
ومن هنا تكون الطقوس - بحسب علم النفس الاجتماعي - طرائق للدفاع يلجأ إليها الإنسان ليتقي المحرم، أو ليتخلص منه، أو يأتي بطقس بديل يعتقد بإمكانيته تعويض ما قام به من ذنوب، وبهذا تصبح الطقوس أدوات لتطهير النفس من تلك التهديدات الوجودية.
ومهما تكن الدوافع التي تختفي وراء الطقوس، فهناك أيضاً دافع نفسي له أثر فعال في توجيه السلوك واستمرارية الطقوس، وتحديداً في أوقات الكوارث والمحن والأزمات الاجتماعية والنفسية.
وقد تطرق عالم النفس الاجتماعي (إرك فروم (Fromm Eric إلى الجذور النفسية للطقس الذي هو في النهاية تعبير رمزي عن الأفكار والمشاعر التي تظهر في طريق السلوك، ومهما تكن الأسباب دينية أو اجتماعية فهناك أسباب أخرى لا واعية تتداخل معها.
والزاوية الأخرى المتميزة التي انطلق منها بعض الباحثين تتعلق بكون الطقوس تمثِّل قناة مهمة يلجأ إليها الأفراد في ظروف الاستغلال والكبت الاجتماعي، كما هو الحال في أوساط جماعات الأقلية أو المنبوذة أو المهمشة، ويتم ذلك - كما يرى هؤلاء الباحثون - بفضل دور هذه الطقوس في ترقية الوضع النفسي للأفراد إلى مستوى واقع مركزهم الاجتماعي المتدني في بعض الدول العربية سواء كان ذلك في العراق أو لبنان أو البحرين أو الأجزاء الشرقية من المملكة العربية السعودية من منظورهم الفكري والاجتماعي.
وهذا يرجع بنا القهقرى إلى التاريخ الذي يسبق هذه الحقبة، فهذه الدول كانت تابعة للخلافة العثمانية التي حكمت غالبية أجزاء الوطن العربي لأربعة قرون ابتداء من عام 1516 - 1517م، وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى 1917 - 1918م، فكان الشيعة لا يعترفون بهذه الخلافة ولا بالتي سبقتها من الخلافة الراشدة - ما عدا خلافة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كما لم يعترفوا بالخلافة الأموية والعباسية والأيوبية والمملوكية والمغولية وغيرها، لذا كانت هذه الدول تعدُّهم من المعارضين لسياستها ولنهجها، كما كانت تعدُّهم - على أقل تقدير - من أهل القبلة ولكن من أهل البدع.
وقد تفاقم هذا الأمر مع بداية ظهور الدولة الصفوية عام (907 هــ - 1501م)، وسيطرتها على مقاليد الأمور في الهضبة الإيرانية وفرضها مذهب الشيعة بالقوة على السكان في إيران والمناطق المتاخمة لها، مثل: الأناضول الشرقي وأجزاء من أفغانستان والعراق وكوردستان رغم وجود الغالبية السنية في هذه المناطق.
كل ذلك أدَّى إلى حصول تنافس وصراع وحرب بين الخلافة العثمانية التي عدَّت نفسها حامية لمذهب أهل السنة، والدولة الصفوية حامية المذهب الشيعي الاثني عشري .
لذا عُدَّ الشيعة الساكنون في جنوب العراق ووسطه وجنوب لبنان وفي البحرين، أنصاراً للدولة الصفوية، على أساس التقارب المذهبي الذي يولد وحدة المشاعر والعواطف والأفكار، وهذا ما أدَّى إلى عزلتهم والانشغال بأمورهم الخاصة، لا سيما في المجالات الدينية المذهبية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فكانوا في عزلة عمن سواهم من أفراد المجتمع، فسَرَتْ فيهم روح الانكماش والشعور بالغبن الذي طالما حرَّك مشاعرهم نحو اتجاهات معاكسة أثَّرت فيما بعد على فئات أخرى في المجتمع عندما سنحت الفرصة لهم بتسلُّم مقاليد الأمور، وهذا ما يظهر الآن في الساحة العراقية، حيث يحاول الشيعة باتجاهاتهم الفكرية وأحزابهم السياسية كافة القيامَ بعمليات تطهير طائفية لأهل السنة في بغداد وضواحيها ومناطق وسط العراق وجنوبه، عن طريق التهديد والخطف والتعذيب والتهجير والتصفية والقيام بكل ما من شأنه إضعاف البنية الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية لأهل السنة وتدميرها، كي تخلو الساحة لهم ولا يبقى لهم معارض، والآن يجري الدور على الكورد السنة الذين بقوا الحصن الحصين لأهل السنة على أقل تقدير في العراق الحالي.
أما بخصوص أهل السنة فإنهم كانوا عماد الدولة العثمانية والمشاركين الأساسيين في تثبيت أركانها خلال حقبة ليست بالقصيرة، على أساس أن الدولة العثمانية كانت تعدُّ نفسها حامية المذهب السني، واستطاعت في الوقت نفسه أن تقف في وجه المخططات الأوروبية الصليبية لمدة تقارب أربعة قرون، رغم ظهور بعض علامات الدَّخَن والممارسات غير السوية لبعض سلاطينها وقادتها وولاتها من بعض النواحي الاجتماعية والإدارية، ودعمها لبعض الحركات الصوفية المتطرفة الغالية الممزوجة بالتشيع كالبكتاشية وغيرها التي يخالف نهجها إلى حدٍّ بعيد منهج أهل السنة.
وبظهور الأفكار الجديدة (القومية) بدأت عوامل الضعف والانحلال تدبُّ في أوصال الدولة العثمانية وجسَّدتها تطلعات وأفكار جمعية الاتحاد والترقي (جون ترك) التي كسبت فئات مختلفة من القوميات في بداية ظهورها وقبل أن تتحول إلى النهج القومي (الطوراني) المتطرف.
مما لا شك فيه أن الخلاف بين غالبية المسلمين والشيعة في بداية ظهورهم فكرةً وحركةً في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، لم يكن يتجاوز الخلاف السياسي حول أحقية أبي بكر الصديق أو علي بن أبي طالب ونسله في الخلافة من عدمها.
وبقي هذا الخلاف ضمن هذا الإطار طيلة حقبة طويلة تتجاوز القرنين، إلى أن تمكَّن الفاطميون - الذين هم من نسل القَدَّاح الإيراني - من تأسيس الدولة العبيدية (الفاطمية) في شمال إفريقيا عام 296هـ/909م، ومن ثم سيطروا على مصر وأجزاء من بلاد الشام، وفي أيامهم ابتُكرت طقوس عديدة سنذكرها لاحقاً.
وفي عام 334هـ /946م تمكَّن البويهيون الديالمة من السيطرة على مقاليد الأمور في إيران والعراق وكوردستان، وتمكنوا من إخضاع الخلافة العباسية لسطوتهم، ولما كان هؤلاء شيعة على مذهب الزيدية، فقد استحدثوا وابتكروا في زمانهم طقوساً عديدة، وإذا أضفنا إليها طقوس العهد العبيدي (الفاطمي) والصفوي والقاجاري الذين حكموا بعدهم، لرأينا منظومة متكاملة من الطقوس المصنَّعة بوصفها ركيزة للبنية التنظيمية للتشيع الصفوي، على حدِّ تعبير المفكر الإيراني علي شريعتي.
أما بخصوص عنوان المقال، وهو أن هذه الطقوس صنعها للشيعة أناسٌ إيرانيون، فهذا ما لا يخالف منهج البحث العلمي والتاريخي، فالدول التي قامت بابتكار هذه الطقوس منشؤها - في حقيقة الأمر – إيراني، فالعبيديون (الفاطميون) أصولهم إيرانية، والبويهيون ديالمة إيرانيون، والصفويون والقاجاريون وغيرهم من القبائل التركمانية المتحدة تحت لواء الطريقة الصفوية الشيعية الغالية (المتطرفة)، ظهروا في الهضبة الإيرانية وتحديداً في إقليم أذربيجان، واستطاعوا من خلال الطرق الصوفية الإيرانية التي لها صلة بالتشيع مضافاً إليها التقاليد الثقافية الإيرانية القديمة، بناء مرتكزات دولتهم على أسسٍ شيعية في الظاهر ولكنها تحمل بصمات مجوسية: زرداشتية - مزدكية - مثرائية، أي: ألوان الطيف الإيراني الآري القديم كافة.
ومن أبرز هذه الطقوس:
1- إضافة (حيَّ على خير العمل) إلى الآذان.
2- الأخذ بالشهادة الثالثة (علي ولي الله)، ويذكر العالم الشيعي (ابن بابويه القمي) أن المفوِّضة وهم طائفة من الشيعة الغلاة زادوا في الآذان (أشهد أن علياً ولي الله، أو أشهد أن علياً أمير المؤمنين).
3- إضافة عبارة (أشهد أن علياً أمير المؤمنين) إلى الآذان عام 1870م في العراق بناء على أوامر الشاه القاجاري (ناصر الدين شاه) عند زيارته مدينة كربلاء، حيث طلب من مؤذن الحضرة العباسية إضافة العبارة المذكورة إلى الأذان، وأصبحت هذه الصيغة متَّبعة عند الشيعة في جميع أنحاء العالم بعد ذلك.
4- تنظيم الاحتفال بذكرى مقتل (الحسين بن علي) في بداية السنة الهجرية (شهر محرم)، وإضافة مجالس التعزية وتطويرها، حيث تمت الاستفادة من الطقوس المسيحية التي كانت تُمارس في أوروبا وتحديداً في إيطاليا حول ما يسمى بالآلام التي عانى منها السيد المسيح - عليه السلام - أثناء ما يسمى بحادثة صلبه ومعاناته للآلام على الصليب.
5- السجود على التربة الحسينية، ومخترع هذا الطقس هو العالم الشيعي (علي بن عبد العالي الكركي) من أهالي جبل عامل في جنوب لبنان.
6- في سنة 352هـ/963م أمر معز الدولة (أحمد بن بويه) بإظهار الزينة في الثامن عشر من شهر ذي الحجة وفتح الأسواق ليلاً وضرب الدبادب (الطبول) والوقات وإشعال النيران فرحاً بعيد غدير خم الذي يصادف يوم 18 ذي الحجة.
7- ضرورة الدفن في النجف بجنب ضريح الإمام علي بن أبي طالب، فيما سمي فيما بعد بمقبرة (وادي السلام) التي تعد أكبر مقبرة في العالم.
8- استحداث أول حسينية تسمى بالحسينية الحيدرية في مدينة الكاظمية في بغداد في عام 1876م إضافة زيادات على تنظيم الاحتفال بذكرى مقتل الحسين بن علي في العاشر من محرم عن طريق الضرب بالسلاسل الحديدية على الظهر، والسكاكين على الرأس، حيث كان للتركمان الآذريين إسهام كبير في هذا الصدد.
مما تقدم يظهر أن تلك الطقوس التي اخترعها علماء الشيعة - بدءاً من الفاطميين والبويهيين وانتهاءً بالصفويين والقاجاريين - أصبحت بمنزلة البنية التحتية للفكر الشيعي المعاصر، ومن ثَمَّ أبعدت - إلى حدٍّ كبير- عوامل الحوار والتقارب بين الشيعة وبين بقية المسلمين.
لذا، فإن الأمل قائم بأن يعكف علماء الشيعة المعاصرون على تنقية التشيع مما علق به من التشيع الصفوي الغالي (المتطرف) وغير الصفوي عبر السنين، على حدِّ تعبير المفكر الإيراني الشيعي (علي شريعتي) الذي شنَّ حملة شعواء على قنوات التشيع الصفوي كافة في كتابه القيم (التشيع العلوي والتشيع الصفوي).
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً