كتب فون أوبنهايم في مذكراته: "لقد قرأت ودرست بحماسة وإخلاص، منذ تلقيت إحدى هدايا عيد الميلاد وهي كتاب (ألف ليلة وليلة)، تيقظت كل حواسي وقتها لفكرة واحدة، وهي أن أصبح مُستكشفاً في الشرق الإسلامي، ومنذ وقتها لم تتركني هذه الفكرة أبداً".
بدأ اهتمام أوبنهايم بالشرق منذ سنين المراهقة الأولى، ثم نضج وتطوَّر هذا الاهتمام بعد تعمقه في دراسات الأنثروبولوجية، والتاريخ القديم، ومن ضمنها الدراسات الآشورية التي حولت حياته من المحاماه إلى الآثار ليصبح عضواً في المتحف الملكي الأثنولوجي والجمعية الجغرافية والتاريخ البدائي في برلين، وكان لاهتمامه الكبير بالشرق ودراسته للدين عند البدو والقصص والأساطير والخرافات التي يتداولونها، وجمعه للمعلومات حول الطرق الصوفية ومسحه الجغرافي لاقتفاء تاريخ أنساب البدو الرحل وأنصاف الرحل، تأثير كبير في الدور الذي لعبه في تفجير نيران الحرب بين العرب والمسلمين من جهة، والبريطانيين من جهة أخرى في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
ولكونه سليل أسرة مصرفية، ووالده شريك في بنك "كولونيا" الخاص، فقد ترأس بعثة استطلاعية يمولها البنك لوضع دراسة مد سكك حديد بغداد - برلين خلف زيارة إمبراطور ألمانيا "فيليهم الثاني" للدولة العثمانية عام 1889 لتنشيط التجارة بين البلدين، وخصوصاً منطقة آسيا الصغرى والعراق، فقد كانت ألمانيا تعول على الدولة العثمانية في الحفاظ على هذه المصالح وتماطل في المشروع البريطاني لتقسيم الإمبراطورية العثمانية.
ولما كانت السلطنة العثمانية تعاني من الإفلاس رسميّاً، وتنفق أربعة أخماس وارداتها الضريبية على خدمة الدَّين، وجد "عبد الحميد الثاني" العرض الألماني لمد سكك الحديد فرصة لن تتكرّر لنهضة "الرجل المريض" من الإفلاس والتقسيم، ووجد "فون أوبنهايم" المناخ الإسلامي المناسب لإقناع الأتراك والعرب للجهاد في سبيل ألمانيا والقضاء على أعدائهم تحت قيادة "الخليفة" باسم الجهاد المقدس.
وبإقامة علاقات قوية مع الشخصيات السياسية والحزبية الإسلامية، وكسب ثقتهم كـ(عراب الجهاد) في الفكر الألماني والبريطاني في آن واحد، فقد فجر (الثورات المناهضة للاستعمار) لإحياء أمجاد صلاح الدين وانتصاراته .
ففي الوقت الذي طرح "أوبنهايم" عام 1916 إرسال بعثة ألمانية – عثمانية عن طريق الحجاز إلى اليمن من أجل إقامة مركز للدعاية الإسلامية تستهدف إثارة السودان وشرق إفريقيا ضد دول التحالف، دعم الإنكليز الثورات العربية الكبرى في ذات العام بإغداق الوعود على الشريف حسين مُلك الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق لإسقاط السلطنة العثمانية .
لم تنجح أفكار "أوبنهايم" في الحرب العالمية الأولى، لكنها لم تخط حروف النهاية، فـ"المسيحية ليست ملائمة للمزاج الجرماني على عكس الإسلام فهو دين مفيد وملائم للجندي"، وفي عام 1933 وصل هتلر لسدة الحكم وقد تأثر بسياسة الاتحاد والترقي ببعث الروح القومية العرقية في نهوض تركيا عقب هزيمة الإمبراطورية العثمانية وإباده وتهجير الأرمن، ووجد في الخطاب الديني الشعبوي عند الشعوب المكبوتة والمحرومة اقتصادياً قوة دافعه للجهاد، فأغدق "الفوهرر" بوعود التحرير والاستقلال وكون فرقة عسكرية مسلمة من القوقاز والبلقان سُميت بوحدة "هاندشر"، انضمت إليها كتائب الإخوان من مصر المتأثرة بأفكار "البنّا" رافعين شعار "القرآن دستورنا" بقياده أمين الحسيني معلناً تأييده لدول المحور ومعاداته لبريطانيا واليهود.
في ذات العام تولى فرانكلين ديلانو روزفلت رئاسة الولايات المتحدة ووضع نظماً اقتصادية وحلول للأزمة المصرفية بالسماح للبنوك بالعمل الرسمي وإقامة جبهة استراتيجية لمواجهة الخطر النازي ودعم بريطانيا في تمويل "البنّا" والإخوان لتوحيد جهود الدول العظمى الثلاث، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا، للقضاء على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية .
وقد تضاربت الآراء حول أسباب اضطهاد هتلر لليهود والهولوكوست واتفاقية "هافارا" مع "الاتحاد الصهيوني" عام 1933 بهدف تشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين، فقد كتب المؤرخ اليهودي شافير: "صدمة اليهود من تخلّي العالم عنهم بعد الحرب العالمية الثانية، إذ هُزمت النازية، وبدأ المهجّرون من الحرب يعودون إلى بيوتهم، ليفاجأ اليهود بحرائق وتخريب متعمد في بيوتهم وأحيائهم الصغيرة".
فإن كان اتفاق التهجير اليهودي والهولوكوست سبباً لإنشاء دوله إسرائيل، فهل إباده وتهجير الأرمن في تركيا وظهور داعش في المناطق الآشورية واعتراف فرنسا بالإبادة سيقود إلى تأسيس وطن آشوري؟.
ماذا عن افتتاح أكبر دائرة استخبارات ألمانية تدعو الأقليات في الشرق الأوسط للعمل تحت اسم منسق محلي لدراسات الشرق الأوسط لها قاعدة تجسس تركية كشفت عنها وكالة "جيهان" للأنباء بهدف التنصت على دول الشرق الأوسط، وهي الأقرب لإيران وحزب الله، فلا توجد صفقة تفاوضية بين حزب الله وإسرائيل أو بين الغرب وإيران وقطر تجري بعيداً عن وساطتها، فهل هي إشاره إلى مواجهة ألمانيا فكرة "لاهوت الاحتواء" من اليمين المحافظ وسياسة ترامب الساعي لتغيير المشهد الدولي في الشرق الأوسط للحفاظ على دور الغرب في قيادة العالم تحت مسمى حرب أم سلام بمخاوف داعش الجديد؟.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً