المدرسة الألمانية بأربيل في عامها الـ15.. صعود حركة المدرسة الخضراء

19-12-2025
سيبان عبد السلام بروراي
A+ A-
ما بدأ كمبادرة متواضعة لإدخال المعايير التعليمية الألمانية إلى أربيل، تطوّر ليصبح مؤسسة نابضة بالحياة، متنوّعة ومتطلعة إلى المستقبل، تخدم اليوم مئات الطلبة من مرحلة رياض الأطفال وصولاً إلى برنامج دبلوم البكالوريا الدولية (IB) الثنائي اللغة.
 
وبصفتي رئيس مجلس إدارة المدرسة الألمانية في أربيل، حظيت بامتياز متابعة هذا التطور اللافت، حيث تحولت المدرسة إلى واحدة من المؤسسات الأكاديمية الرائدة، مجسدةً أرقى القيم المشتركة بين ألمانيا وكوردستان: الانضباط، والإبداع، والمسؤولية، والابتكار. واليوم، لا تمثل المدرسة الألمانية في أربيل مركزاً للتعليم عالي الجودة فحسب، بل أيضاً منارة للتفكير التقدمي، والمسؤولية البيئية، والمواطنة العالمية.
 
التميّز الألماني في قلب كوردستان
 
تتميّز المدرسة الألمانية في أربيل بكونها مؤسسة فريدة في الإقليم. وبوصفها مؤسسة غير ربحية تخضع لإشراف السلطات التعليمية الألمانية، فإنها تعتمد منهاجاً صارماً يركز على التعدد اللغوي، والبحث العلمي، والتفكير المستقل. يبدأ المتعلمون رحلتهم التعليمية في مرحلة رياض الأطفال، وينتقلون بسلاسة عبر المراحل الابتدائية والثانوية وصولاً إلى برنامج دبلوم البكالوريا الدولية (IB) المرموق. ويتيح هذا المسار المتكامل للطلبة النمو والتطور ضمن بيئة أكاديمية متسقة، قائمة على قيم مشتركة، وأساليب تربوية حديثة، ورؤية دولية قوية.
 
ترتكز فلسفتنا التعليمية على تزويد الطلبة بالمهارات اللازمة للقرن الحادي والعشرين: إتقان عميق للغتين الألمانية والإنكليزية، والتفكير التحليلي والعلمي، والوعي متعدد الثقافات، واحترام التنوع. ونفخر بإعداد طلبتنا ليس فقط للجامعات في كوردستان والعراق، بل أيضاً للمؤسسات التعليمية في ألمانيا وأوروبا وسائر أنحاء العالم.
 
ومع ذلك، فإن التفوق الأكاديمي وحده لا يكفي. ففي عالم يزداد تعقيداً، يحتاج الشباب إلى ما هو أكثر من المعرفة؛ إنهم بحاجة إلى هدف. وفي المدرسة الألمانية في أربيل، يشمل هذا الهدف فهماً عميقاً لمسؤوليتنا تجاه البيئة.
 
رؤية المدرسة الخضراء
 
ينعم إقليم كوردستان بجمال طبيعي لافت، من جبال وأودية وسهول خصبة وغابات تعود إلى قرون مضت. لكنه، في الوقت نفسه، يواجه تحديات بيئية جسيمة، من بينها شح المياه، والتلوث، والضغوط المناخية، وسوء إدارة النفايات، إلى جانب النمو السريع في أعداد الشباب الذي غالباً ما يفوق قدرة البنى التحتية العامة.
 
وأمام هذه المعطيات، طرحنا على أنفسنا سؤالاً بسيطاً لكنه بالغ الأهمية: ما الدور الذي يمكن أن تؤديه مدرسة في رسم مستقبل أكثر استدامة لإقليمنا؟
 
وكانت الإجابة الأساس لتحول جذري في رسالتنا التعليمية.
 
في عام 2024، أطلقت المدرسة الألمانية في أربيل رسمياً مبادرة "المدرسة الخضراء"، منضمةً إلى حركة عالمية مستوحاة من مؤسسة التربية البيئية (FEE) وبرنامج "المدارس البيئية" الدولي. وكان هدفنا طموحاً وواضحاً في آن واحد: إدماج الاستدامة في كل جوانب الحياة المدرسية، ليس كمادة منفصلة، بل كثقافة مشتركة.
 
المدرسة الخضراء ليست مجرد حرم يضم نباتات وحاويات لإعادة التدوير، بل هي مجتمع يُنمّي المسؤولية البيئية، والوعي المناخي، والخبرة العملية. وهي تعلّم الطلبة أن الاستدامة ليست فكرة مجردة، بل ممارسة يومية.
 
تطبيق الاستدامة على أرض الواقع
 
وخلال عام دراسي واحد فقط، كان التحول لافتاً. فقد اتخذت المدرسة الألمانية في أربيل خطوات جريئة وعملية لجعل التعليم البيئي ملموساً، وتجريبياً، ومندمجاً بالكامل في التعلم اليومي.
 
إلغاء البلاستيك أحادي الاستخدام
 
كانت إحدى أولى مبادراتنا الحظر الكامل لقناني البلاستيك أحادية الاستخدام داخل الحرم المدرسي. ويستخدم الطلبة والموظفون اليوم قناني قابلة لإعادة الاستخدام، وهو إجراء بسيط لكنه فعّال أسهم بشكل كبير في تقليل النفايات البلاستيكية ورفع الوعي بالاستهلاك المسؤول.
 
فرز النفايات ونشر الوعي بإعادة التدوير
 
تم اعتماد حاويات نفايات ملوّنة ومصنفة للورق والنفايات العامة في مختلف أنحاء المدرسة. ويشارك الطلبة بنشاط في فرز النفايات بشكل صحيح، متعلمين من خلال الممارسة اليومية معنى التخلّص المسؤول من النفايات.
 
إنشاء نظام فعّال للتسميد العضوي
 
أُنشئت منطقة خاصة للتسميد في حديقة المدرسة، حيث تُحوَّل النفايات العضوية، مثل الأوراق، والعشب، وبقايا النباتات، ومخلّفات الطعام من مطبخ المدرسة، إلى سماد طبيعي. ويشارك الطلبة في جميع المراحل، من جمع المواد إلى صيانة السماد واستخدام التربة الغنية بالمغذيات في حدائق المدرسة.
 
تخضير الحرم المدرسي بالأزهار والأشجار
 
تحولت حديقة المدرسة إلى صف دراسي حي. وشارك طلبة من مراحل مختلفة في زراعة الأعشاب والأزهار والأشجار الصغيرة، مكتسبين خبرات عملية تعلّمهم علم الأحياء إلى جانب الصبر، والمسؤولية، واحترام الطبيعة.
 
إعادة التدوير الإبداعي وإعادة الاستخدام
 
لتعزيز التفكير الابتكاري في تقليل النفايات، صمّم الطلبة أواني نباتات، وقطعاً زخرفية، وأعمالاً فنية باستخدام علب وقوارير ومرطبانات مستعملة. وتبرز هذه الأنشطة قيمة إعادة توظيف المواد بدلاً من التخلص منها.
 
مشاريع الطاقة المتجددة
 
كانت إحدى أكثر خطواتنا إثارة بناء أفران شمسية بسيطة من قبل الطلبة، ما أتاح لهم استكشاف كيفية تحويل الطاقة الشمسية إلى حرارة.
 
كما قمنا بتركيب نظام مصغّر للطاقة الكهروضوئية، تبرعت به شركة "تيرا واط"، وهي شركة محلية، ليكون الخطوة الأولى نحو طموح أكبر بكثير: مشروع لتركيب نحو 150 لوحاً شمسياً على سطح المدرسة، لا نزال نبحث له عن جهة راعية. ومن شأن هذا المشروع أن يقلل بشكل كبير من البصمة الكهربائية للمدرسة، وأن يشكّل نموذجاً عملياً ومرئياً للطاقة النظيفة أمام الطلبة والزوار على حد سواء.
 
زيارات تعليمية
 
ولتعميق الفهم العملي، نظمنا زيارات إلى مشتل للأشجار، وبيت زجاجي حديث، ومصنع لإعادة تدوير البلاستيك. وقد مكّنت هذه الزيارات الطلبة من ربط التعلم النظري بالحلول الواقعية، وأسهمت في ترسيخ تقدير أعمق لأهمية حماية البيئة.
 
التعليم الأخضر كمهمة ثقافية
 
يتجاوز مشروع المدرسة الخضراء الأنشطة البيئية ليصبح جزءاً من رسالة أوسع تهدف إلى تنشئة مواطنين مسؤولين، واعين، ومنخرطين اجتماعياً.
 
وفي إقليم يتميز بقاعدة سكانية شابة ومتنامية، تُعدّ التوعية البيئية عنصراً أساسياً لتحقيق الاستقرار والازدهار في المستقبل. ومن خلال دمج الاستدامة في التعليم، نُسهم في بناء جيل يقدّر أرضه، ويحمي موارده، ويدرك عواقب الإهمال البيئي.
 
ويمتد هذا التحول إلى ما هو أبعد من أسوار المدرسة. فالطلبة ينقلون معارفهم إلى منازلهم، ويعلّمون أشقاءهم وذويهم وأصدقاءهم. وكثير من العائلات باتت تطلب إرشاداتنا بشأن التسميد، والعناية بالنباتات، وإعادة التدوير. ونؤمن بأن التغيير يبدأ من الأفراد، وأن الطلبة هم سفراؤنا الأكثر فاعلية للتغيير.
 
نحو تعليم مستدام في كوردستان
 
بينما نحتفل بالذكرى الخامسة عشرة لتأسيس المدرسة الألمانية في أربيل، فإننا لا نستذكر إنجازات الماضي فحسب، بل نعرض أيضاً رؤية للخمسة عشر عاماً المقبلة، تقوم على التميّز الأكاديمي والمسؤولية البيئية.
 
وتشمل أهدافنا:
 
إنشاء بيت زجاجي متكامل ومركز تعليمي للزراعة المائية داخل الحرم المدرسي
 
توسيع مشاريع الطاقة المتجددة
 
إطلاق مجلس طلابي معني بالاستدامة
 
تعزيز الشراكات مع الجهات الحكومية والمنظمات غير الحكومية والبيئية
 
دمج الاستدامة في المناهج الدراسية عبر جميع المراحل
 
الترويج للسياحة التعليمية من خلال ورش عمل وأنشطة بيئية يقودها الطلبة
 
رسالة إلى شعب كوردستان
 
تنتمي المدرسة الألمانية في أربيل إلى هذا المجتمع، وتقف اليوم شامخة بفضل ثقة العائلات، وتفاني المعلمين، ودعم الشركاء من كوردستان وألمانيا.
 
وبمناسبة مرور 15 عاماً على خدمتنا، نتقدم بخالص الشكر والامتنان لكل من كان جزءاً من هذه المسيرة. والأهم من ذلك، ندعوكم إلى الانضمام إلينا في رسم ملامح كوردستان أكثر استدامة.
 
فالتعليم هو أساس كل مجتمع حديث، والوعي البيئي أحد أعمدته. ومعاً، يمكننا تنشئة جيل لا يتفوّق أكاديمياً فحسب، بل يحمي أيضاً جمال هذه الأرض ومواردها.
 
وستبقى المدرسة الألمانية في أربيل ملتزمة بأن تكون جزءاً فاعلاً من هذا الجهد.
 
*رئيس مجلس إدارة المدرسة الألمانية في أربيل

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

عجاج أحمد حردان التكريتي

عجاج والناجون من الأنفال وجهاً لوجه في بغداد

صباح يوم الخميس، 7 أيار 2026، أتواجد في محكمة الرصافة بمدينة بغداد عاصمة العراق. رأيتُ رجلاً لم يكن كما كان في السابق الرجل الضخم، عريض المنكبين، كثيف الشعر والمخيف؛ فخوفه من العدالة وتلك القصص التي كانت تُروى عن غضبه وهيجانه جعلته يبدو أكثر ذبولاً وهزالاً. مرّ بجانبي في الممر الضيق بينما كانوا يقتادونه إلى غرفة الانتظار قبل بدء المحاكمة.