مبعوث واشنطن إلى العراق بين الطموح الأميركي والتحديات العراقية

18-11-2025
محمد حسن الساعدي
الكلمات الدالة العراق أميركا
A+ A-
وسط التحولات المفاجئة والمتسارعة في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط وتحديداً العراق برز اسم "مارك سافايا" كمبعوث خاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بغداد،في خطوة أثارت اهتماماً واسعاً وجدلاً سياسياً داخل الأوساط العراقية والدولية، كون هذا التعيين يعكس توجهاً جديداً في إدارة ترمب، يقوم على التواصل المباشر مع الدول الحليفة عبر شخصيات غير تقليدية، تحمل خلفيات اجتماعية واقتصادية أكثر من كونها دبلوماسية.
 
المبعوث الأميركي "مارك سافايا" هو رجل أعمال أميركي من أصل عراقي كلداني، ينحدر من مدينة ديترويت، ويعمل في مجال الصناعات الطبية، بما في ذلك القنب الطبي، إذ لم يشغل أي منصب حكومي أو دبلوماسي سابق، لكنه يُعرف بولائه الشديد للرئيس ترمب، ويصف نفسه بأنه "وطني أميركي وعراقي"، ويؤمن ويعمل على إمكانية إعادة بناء العراق من خلال دعم السيادة ومكافحة الفساد وإبعاد العراق عن التأثيرات والتدخلات الخارجية وإبعاده عن أي صراع يمكن أن يؤثر على أستقراره.
 
مهمة "سافايا" ستتركز على عدة محاور استراتيجية منها تعزيز سيادة الدولة العراقية من خلال دعم المؤسسات الأمنية والمدنية، وتشجيع الحكومة على بسط نفوذها على كامل الأراضي العراقية، والعمل على منع التأثيرات الخارجية، والذي تعتبره واشنطن تهديداً مباشراً لاستقرار العراق والمنطقة، بالاضافة الى تشجيع الاستثمار الأميركي والدولي، خصوصاً في قطاعات الطاقة، البنية التحتية، والصحة وتنشيط دور الاستثمار الاجنبي بما يعزز قدرة العراق على إعادة البنى التحتية للبلاد، وإيجاد رؤية واضحة في الانفتاح على بقية المكونات العراقية بما فيها المسيحيين والكلدان، في محاولة لإعادة التوازن المجتمعي والسياسي بما يعزز دور المشاركة السياسية في صنع القرار السياسي والسيادي العراقي.
 
ردود الافعال تباينت المواقف داخل العراق تجاه تعيين سافايا كمبعوث للرئيس الأميركي، فبعض القوى السياسية رحبت بالمبادرة، معتبرة أنها فرصة لإعادة ترتيب العلاقة مع واشنطن بعيداً عن البيروقراطية التقليدية، وفرصة مهمة في إبعاد العراق عن أي صراع قادم للمنطقة وسط تمهنات أن الشرق الاوسط لا يمكن له ان يكون في وضعه الحالي ويحتاج الى متغيرات كبيرة تريدها الادارة الأميركية وإسرائيل.
 
هناك بعض الاطراف السياسية شككت في دوافع تعيين سافايا، واعتبرته محاولة أميركية لإعادة فرض النفوذ عبر شخصيات غير رسمية تجاوزت مرحلة الدوائر والمؤساسات والبيرقراطية ليكون القرار مباشراً وبدون أي دوائر دبلوماسية يمكنها أن تؤثر على توجهات إدارة ترمب في معالجة المشكلات في العالم، وهناك من يرى أن سافايا قد يعيد سيناريو التدخل الأميركي في تشكيل الحكومات العراقية، كما حدث عام 2010.
 
يمكن القول أن تعيين سافايا يعكس تحولاً في أسلوب إدارة ترمب للعلاقات الدولية، حيث يفضل الشخصيات المقربة منه على الدبلوماسيين التقليديين، كما أن اختيار شخصية ذات جذور عراقية يهدف إلى كسب ثقة بعض المكونات والقوى السياسية العراقية، وتقديم صورة أكثر قرباً من الداخل العراقي وبصورة مباشرة عبر دائرة ضيقة وبدون رتوش.
 
أن من أهم التحديات التي تقف عائقاً أمام مهمة "سافايا" هي غياب الخبرة الدبلوماسية والتي قد تحد من قدرته على التعامل مع التعقيدات السياسية العراقية، والرفض الشعبي لأي تدخل خارجي في الشأن الداخلي العراقي، خصوصاً بعد تجربة الاحتلال الأميركي والتي لاقت رفضاً واسعاً من الاوساط المجتمعية واعتبرته حينها احتلالاً للعراق لا يمكن السكوت عنه، بالاضافة الى تشابك المصالح الإقليمية والدولية في العراق، مما يجعل مهمته محفوفة بالمخاطر.
 
يبقى تعيين مارك سافايا اختباراً لمدى قدرة واشنطن على إعادة صياغة علاقتها مع بغداد، في ظل واقع سياسي متغير، وتحديات داخلية وخارجية متشابكة، لان نجاحه أو فشله سيترك أثراً عميقاً في مستقبل العلاقة بين البلدين، وقد يحدد ملامح المرحلة المقبلة في السياسة الأميركية تجاه العراق والمنطقة عموماً ويترك أثراً سيئاً للمجتمع العراقي والقوى السياسية التي بالتاكيد سيكون لها موقفاً من هذا الفشل.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

فينوس بابان

الارتطام.. ربيعٌ عالمي يبتلع أثر الربيع العربي ويُعلن سيادة الأمن الوجودي

إن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد اضطراب جيوسياسي عابر بل هو نذير الربيع العالمي الأول الحراك الكوني الذي سيجعل من الربيع العربي عام 2011 مجرد نسمة رقيقة أمام إعصار كوني كاسح.