مرة أخرى قدمت إلى منامي أيها البيت العتيق، تحاول أن توصل لي رسائلك التي عجزت عن فهمها وتفسيرها، لقد حاولت أن أنساك ولم تعد في طي ذكرياتي، كنت ومازلت حلماً استيقظت منه ولم أعد أتذكره، ماذا تود أن تقول لي، هل عدت لتقول إنك موجود، هل تشعر بالحزن، هل يعاملك ساكنوك الجدد بما يليق، هل تعانقهم كما كنت تعانقنا بحنانك في الأيام الخوالي، كم من طفل يلعب أمام فنائك اليوم كما في الماضي، هل ترى تجمعاتهم وتسمع ضحكاتهم البريئة أمام بابك، هل ما زلت مليئاً بالألغاز التي كان الجميع يود أن يعرف خفاياها وأسرارها؟.
منذ أكثرمن عقد ونيف، حلقت بعيداً عنك لعلني أجد بيتاً آخر، حناناً آخر، أملاً في اقتلاع جذوري التي غرستها فيك، ولكن يبدو أن جذوري هي أعمق مما كنت أعتقد، ربما قد نسيت بعضاً منها فيك، وهي التي أبت أن تتركني، هل لك أن تقول لي كيف يمكن اقتلاعها، وإلى الأبد؟.
أيها البيت العتيق، هل تود أن تقول لي همساً إنك متعب، متعب مما يجري، ويائس مما يحدث، فقد آويت الكثير من الناس، وأطعمت أفواه الكثيرين، وزارتك الملائكة عشرات المرات بحثاً عن الصوت الرخيم لجدي وهو يتلو الآيات ويسجد عندما يقتضي، وجرحتك رؤية آثارالتفجيرات والرصاص من حولك، وكنت ملاذاً لكل محتاج وفقير، حلت عليك البركات حيناً، ولعنات العقب الحديدية حينا آخر، أغرقتك مياه الأمطار من نهيرة صغيرة أياما، وأحرقك شعاع الشمس أياما أخرى.
هل قتلك الصمت، هل الظلم أضناك، كم من إرهابي يمر أمام بابك الآن، كم من قاتل وخائن وسفاح يريد أن يطرق بابك على أمل أن يجد أحداً ليفتك به ممن أحببتهم يوماً، كم من قدود جميلة وعيون سود ذليلة تمرأمام عتبتك، كم فقدت من جيرانك، كم منهم وري الثرى ناقصاً بعض من أشلائه، على مدى الأيام كنت الشاهد الذي لا ينطق، الشاهد الأخرس، كم من شرخ أحدثته فيك هذه المأساة، هل ما زلت قوياً بعد كل هذه السنين؟.
كلا لقد فقدت روحك، لأنك كنت تستمد القوة من أفكارنا وأرواحنا، والآن من يمدك بالقوة أيها البيت العتيق، الجهلاء سليلي العنف والحقد الأسود، كم محبط أنت، كم من الكآبة أصابتك، من قمة وأوج الأيام إلى أتعس وأحبط الأيام، متى ستقاوم، وإلى متى ستبقى واقفاً على قدميك مرتجفاً، أصبحت بائساً جراء وضع قاس لا يرحمك.
سأقول لك وبكلمات وجيزة أيها البيت العتيق، أنت لم تعد بيتي، أنت لست إلا خيالاً وسراب، ولن تكون بيتاً للآخرين، ولن تستطيع إقناعي بأنك مازلت هناك بكبرياء، وأنك بانتظاري، بانتظارنا، لا لن نعود إلى حيّنا، لا لن نطرق بابك مجدداً، لا لن أعدك بالعودة، فلا تعش في خيال وأوهام، لا تنعم بأحلام اليقظة، دعني وشأني لأمسح دمعي بين وجوه وسيماء غريبة لا تمت إلى وطني، وأنا أسيرعلى ضفاف البحرالأبيض، وفي شوارع وأزقة جزيرة سيشيليا "فوداعا أيها البيت العتيق".
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً