الشعوب التي تحرص على تطوير حياتها، حاضرها ومستقبلها، وبناء أوطانها تختار الاكثر كفاءة ووطنية في المواقع القيادية، وتتمسك بهذا الاختيار دون التشبث بالماضي وما هو مثير للنزاعات والخلافات في هذا الماضي، وتتحرر من عقد الشعور بالذنب والنقص، ومن الانتماءات العرقية والدينية والطائفية التي ترهنها وتشدها بالامس لتنتبه الى واقعها وغدها.
هذه بديهيات معروفة وانا هنا لا ادعي التنظير في هذا الامر ولا اعلن عن اكتشاف مثير، لكن ما انبه له هو اصرار مجتمعاتنا، وبالذات المجتمع العراقي بالتمسك بمفاهيم وآراء ادت وتؤدي الى خراب البلد واختيار من تم تجريبهم في قيادة العراق الى الهاوية وتكرار هذا الاختيار الذي لم يقدم حلولا بنائة بل خرب صورة المستقبل ناهيك عن الحاضر.
حاضر ومستقبل العراق والعراقيين اليوم مرهون بخيارات خربت الحاضر والمستقبل، فساد اداري ومالي مفضوح، حركة الاعمار متخلفة، الخدمات الصحية والحياتية شبه معدومة، التعليم في الدرك الاسفل من التقييمات العالمية في هذا المجال، تحويل السلطة الى سيطرة الشخوص والعشائر والاحزاب السياسية التي لم ولن تقدم اي دليل على وطنيتها، كل هذا تم تحت لافتة كاذبة اسمها الديمقراطية وصناديق الاقتراع التي تعتبر افضل ماكنة لاعادة تدوير السياسيين وسياساتهم الفاشلة.
نحن يا سادة اسيري ما تخططه مجموعة برهنت فشلها في قيادة البلد والتخطيط لحاضره ومستقبله، وحكم البلد حسب بدعة "العرف الدستوري" وليس الدستور ذاته والمشكوك بصلاحيته فقد اعترف من كتبه بانهم شرعوا "دستور مطاطي" يمكن تشكيله حسب ما تريد القوى السياسية، وتم تقسيم السلطة حسب مفاهيم لا علاقة لها بالتطور بل على العكس من ذلك شدتنا الى الماضي السحيق، واوهموا عامة الشعب بحسابات نسبية غير دقيقة او بالاحرى غير مهمة حتى لو كانت صحيحة، وان العراق ومصير ابنائه يجب ان يبقى رهين حكم الشيعة باعتبارهم الاغلبية وان تكون حصة العرب السنة مجلس النواب ومنح الكورد رئاسة الجمهورية التي افرغت من الصلاحيات التنفيذية المهمة ليتحول رئيس الوزراء الى دكتاتور يمسك بحبال الصلاحيات التنفيذية والمالية والامنية.
اليوم وبعد مرور 23 عاماً على تغيير النظام الدكتاتوري الذي حكم بسلطة شمولية، نسأل عن اي تقدم حققه العراق الاتحادي الديمقراطي وفق الحكم النيابي؟، وارجو ان لا تتوهموا باني امجد هنا النظام السابق الذي كنت انا شخصيا وجيلي بل اجيال باكملها من اول ضحاياه، لكني اردت ان احصي منجزات ما بعد 2003 وما حققته البرلمانات والحكومات المتعاقبة منذ 2005 وحتى اليوم باستثناء تشريع قوانين لصالح امتيازاتهم المبالغ بها، بل ان غالبية من النواب تضخمت ثرواتهم واقتنوا القصور واساطيل السيارات الفارهة بعد ان كانوا يقيمون في بيوت بسيطة بالاحياء الشعبية، وتناسى بعضهم مهمته التشريعية والرقابية ليكون شرطياً يحاسب الاعمال الفنية مرة واحداهن تهدد من يعترض ويتظاهر ضد الحكومة.
ازمة العراق الراهنة والتي تتمثل بخرق التوقيتات الدستورية حول اختيار رئيس الجمهورية وترشيح من سيكلفه الرئيس بتشكيل الحكومة ليست جديدة، فقد كانت قد تكررت مع كل انتخابات تقريبا. هذه الازمة وغيرها التي من الممكن ان تحصل مستقبلاً يمكن حلها لو تخلينا عن ان من يحكم العراق يجب ان يكون شيعياً وعربياً ومن يترأس البرلمان يجب ان يكون سنياً عربياً وان يتمسك الكورد برئاسة الجمهورية، فالواجب هو البحث عن الاكثر كفاءة وحرصاً ووطنية، وبكل بساطة ان يكون الشخص المناسب في الموقع المناسب بعيداً عن القومية والمذهب ونجد في رئيس اقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، المعروف بكونه صاحب منجزات كبيرة في بناء واعمار وتطوير اقليم كوردستان، ودفعه الى واجهة الاحداث السياسية هو الاكثر جدارة في ان يتبوأ منصب رئيس حكومة العراق، هذا إن كانت القوى السياسية المتحكمة بالامور مخلصة في حرصها على العراق حاضرا ومستقبلا.
هناك من سيعترض كون السيد نيجيرفان بارزاني كوردياً، فأجيب لكنه عراقي، والدستور لم يميز بين عراقي عربي او عراقي كوردي، بين عراقي شيعي او عراقي سني او من اي دين آخر، وأزيد بأنه عراقي مخلص ومجرب بكفاءته في الاعمار والدبلوماسية وحل اصعب الاشكالات التي تهم البلد والاقليم، والعراق بحاجة لمثل هذه الشخصية، وسوف يحوز على تأييد وثقة جميع العراقيين بمختلف قومياتهم واديانهم ومذاهبهم.
واجد نفسي مجبراً لان اذكر بعض الامثلة من الدول المتحضرة، فاذكر هنا بان اكثر رؤساء وزراء بريطانيا شهرة، توني بلير، ينحدر من اصول اسكتلندية، ولد في العاصمة إدنبرة، وشغل منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة من عام 1997 إلى عام 2007. وان الاصول القومية والدينية لم تكن عائقاً امام بريطانيا العظمى في اختيار، بوريس جونسون، رئيساً لحكومتها، عام 2019، وهو من اصول تركية و"ورث عن جده لأبيه التركي علي كمال بك (مسلم) الطموح السياسي". بل ان المملكة المتحدة لم تتراجع عن اختيار ريشي سوناك، الذي ينحدر من اصول هندية (هندوسي) لشغل منصب رئيس الوزراء السابع والخمسين للمملكة المتحدة عام 2022. وفي عام 2023 تولى حمزة يوسف، وهو مسلم من اصل باكستاني رئاسة وزراء اسكتلندا. اما اللبناني الاصل، ميشال تامر، فقد تولى منصب رئيس البرازيل السابع والثلاثين في الفترة من 31 آب 2016 إلى 31 كانون الأول 2018.
ارد هذه الامثلة لا من اجل المقارنة بل لاغراض التذكير، وسينبري لي من يقول هل تقارب بين العراق وبريطانيا العظمى؟، فاجيبه بنعم حتى نتعلم من تجاربها الحضارية، وإلا بمن تريدني ان اقارن العراق بجمهوريات الموز مثلا؟.
اخاطب هنا اي عراقي، كان سياسياً او بعيداً عن السياسة، يتحدث عن الروح الوطنية والحرص على الشعب العراقي وعلى بناء البلد وانقاذه من الهاوية، التضحية بالمصالح الشخصية والتخلي عن الانتماءات العرقية والمذهبية والاعتماد على الكفاءات العراقية المجربة بنجاحها، وتسليم مسؤولية رئاسة الحكومة وفي هذه الظروف العصيبة بالذات لنيجيرفان بارزاني وستجدون بيده كل الحلول، طبعاً بمساعدة القوى الوطنية الخيرة بدلاً من المضي بالمزيد من المغامرات الفاشلة.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً