حضّر عمامك

16-02-2026
مشتاق الربيعي
الكلمات الدالة العراق
A+ A-
من المؤسف حقاً أنّه عند حصول أي خلاف، بسيط كان أم كبير، تتردّد في أيامنا هذه العبارة الشائعة: "حضر عمامك"، وكأنها الحل الأول والأخير لأي نزاع. هذه الكلمة لا تعني مجرد طلب حضور شيخ عشيرة، بل تختصر عقلية كاملة تقوم على استبدال القانون بالأعراف، والدولة بالعشيرة، والمؤسسات الرسمية بما يُعرف بـ"المكوامة العشائرية".
 
إن اللجوء إلى هذا الأسلوب يمثّل تراجعاً خطيراً عن مفهوم الدولة الحديثة، ويعيد المجتمع إلى منطق القوة والسطوة بدل العدالة والقانون. فبدل أن تُحلّ الخلافات عبر القضاء والجهات المختصة، تُنقل إلى ساحات عشائرية قد تُحكم بالعاطفة أو النفوذ أو الخوف، لا بالحق والإنصاف.
 
وفي كثير من الأحيان، لا تقف الأمور عند حدود التهديد أو الاجتماع العشائري، بل تتطور إلى ما يُعرف بـ"الدكة العشائرية"، حيث تُستخدم مختلف أنواع الأسلحة، وتتحوّل الأحياء السكنية إلى ساحات رعب، في مشهد أقرب إلى أفلام الأكشن التي تُعرض في دور السينما. عندها، يعيش المواطن العراقي حالة من الخوف والهلع، ويصبح الأبرياء رهائن لصراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
 
ورغم الجهود الكبيرة والإجراءات المتواصلة التي تبذلها الجهات الأمنية من أجل الحد من هذه الظاهرة وإنهائها، إلا أنها مازالت موجودة، وإن كانت أقل انتشاراً مما كانت عليه في السابق. لكن الخطورة لا تكمن في حجمها فقط، بل في استمرارها كفكرة وسلوك، لأنها تهدد السلم الأهلي، وتزعزع الثقة بالدولة، وتفتح الباب أمام الفوضى.
 
إن بناء مجتمع آمن ومستقر لا يتحقق بانتشار السلاح، ولا بفرض الأعراف بالقوة، بل بتجريد العشائر من جميع أنواع الأسلحة، والعمل الجاد على حصر السلاح بيد الدولة وحدها، وتعزيز دور القانون والقضاء بوصفهما المرجع الوحيد لحل النزاعات.
 
فالعشيرة كانت ومازالت جزءاً من النسيج الاجتماعي العراقي، لها قيمها الإيجابية في التكافل والنخوة، لكن دورها يجب أن يبقى اجتماعياً وأخلاقياً، لا أمنياً أو قضائياً.
 
العراق اليوم لا يحتاج إلى "حضر عمامك"، بل يحتاج إلى وعي مجتمعي، وهيبة دولة، وقانون يُحترم الجميع دون استثناء.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

فاضل ميراني

المجموعة الرابعة

الحكمُ حالاتٌ، مختلفة هذه الحالات، والناجح منها هو المشهود له وفق معايير، لا الحكم الشاهد لنفسه بالنجاح وفق معايير لا تتطابق وتلك التي تفصل بين الناجح وغير الناجح.