هل غادرت المظلة قبل أن يكتمل الجدار؟.. قراءة متأنية لمغادرة يونامي العراق

15-12-2025
خيري بوزاني
الكلمات الدالة يونامي العراق
A+ A-

لا أعتقد أن هنالك ما هو أخطر من أن تقوم (السياسة) بخلط القرار السيادي والجاهزية الواقعية معاً.

المتابع للشؤون السياسية على دراية بأن الدول لا تقاس باستقلالها فقط، ولكن تقاس على أساس تحملها لتبعات استقلالها. ومن هذا المنطلق بالذات، لا نستطيع قراءة انتهاء مهام بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق "يونامي" بوصفه إجراءً روتينياً أو عادياً منفرداً، بل يجب قراءته بصيغة أخرى ألا وهي: إجراء قاسٍ للدولة العراقية ذاتها. هل نجحت أو بالأحرى نضجت لتقف على قدميها؟ أم أن "يونامي" رفعت يد المساعدة عنها قبل الأوان، بل قبل أن تتعلم الاعتماد على رجليها؟.
 
منذ انهيار النظام العراقي، أو بالأحرى انهيار الدولة العراقية عام 2003، لم تكن "يونامي" بعثة أممية مجردة فحسب، بل كانت تمثل واقع العراق السياسي الهش، الذي أُقِر به داخلياً وخارجياً في آنٍ واحد. لأن قرار مجلس الأمن 1500 لم يأتِ اعتباطاً، بقدر ما جاء كاستنجاد من دولة منهارة من الحرب بدون أية مؤسسات تذكر، وبمجتمع مبعثر وهش ومفكك، وبسلطة مشلولة تعجز حتى عن إدارة أبسط مقومات وظائفها السيادية. حينها كان وجود بعثة الأمم المتحدة "يونامي" اعترافاً كلياً بالعجز، علماً أنه كان عجزاً عقلانياً، وليس إنكاراً للواقع.
 
اليوم، وبعد 22 عاماً، قالوا انتهت المرحلة! على أن التحليل السياسي لا يستطيع أن يقف عند هذا الحد ويقر بهذا القرار؛ لأن الدولة التي تنتهي فيها مهام "يونامي"، من المفترض أنها قد حلت بل وحسمت جميع خلافاتها الداخلية، وقامت ببناء مؤسسات بمقدورها حل المشاكل وامتصاص الصدمات، وبصراحة هذا لم يتحقق بعد.
 
نرى في أدبيات بناء الدولة (State-building)، أن الانسحاب الدولي المبكر، يعتبر من أخطر أسباب الانهيار المؤسساتي، لأن غيابه غالباً ما يترك البيئة منقسمة بين الأفكار والطوائف والاتجاهات المختلفة، وهذا بطبيعة الحال لا ينتج منه “سيادة كاملة”، بل يؤدي إلى العكس من ذلك. نعم، يؤدي إلى عودة الصراع وهذه المرة قد تكون أكثر خشونة. وقد لعبت «يونامي» في العراق دور ما يسميه منظّرو العلاقات الدولية بـ"الوسيط الكابح للصراع"، لا صانع الحلول، بل مانع الانفجار.
 
إن غياب هذا الدور، قد جاء في توقيت صعب للغاية، لأن تفاقم الخلافات والانقسامات بين بغداد وأربيل يزداد يوماً عن يوم، لا بل وصلت إلى ما بين الفاعلين السياسيين أنفسهم، وهذا بطبيعة الحال لا يفتح أفق الاستقلال، بل وحتى لا نستطيع القول إننا نتوجه نحو الاستقلال، على العكس تماماً، لأن هذا من شأنه أن يوسّع هامش الفوضى المنضبطة، حيث تتقدّم القوى غير الدولتية لملء الفراغ، مثل عودة داعش أو غيرها وتعدد الفصائل المسلحة التي لا تأتمر بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، طبعاً لا بوصفها بديلاً شرعياً، بل كأمر واقع.
 
نود أن ننوه، أنه وإلى هذه اللحظة، يعد العراق دولة أزمات وليس دولة طوارئ. أي أن العراق يتعامل مع الكوارث بعد وقوعها وليس قبلها! فتجربة داعش الإرهابي خير مثال على هذا: مدن مدمرة، مئات الآلاف من النازحين، آلاف المفقودين، والنظام الإداري وحتى السياسي قد شُلّ أمام هول تلك المأساة. وهنا إذا كانت النقاشات والجدالات السياسية قابلة للتأجيل، فإن البعد الإنساني لا يمكن تأجيله.
 
في إقليم كوردستان، حيث يوجد أكثر من مليون ونصف المليون من النازحين واللاجئين، كان الوجود الأممي انشراحاً للصدور، بل كان صمام الأمان للأوضاع الإنسانية. واليوم، كشفت لنا الفيضانات والكوارث الطبيعية المتكررة أن الدولة، رغم تحسّنها النسبي، لا تزال عاجزة عن إدارة الأزمات دون دعم خارجي منظم.
 
مع كل هذا وذاك، يبقى السؤال الجوهري: من سيدفع الثمن؟ والجواب هو: حتماً العراق الاتحادي سوف يدفع الثمن على الأقل في المجال الإنساني، وذلك لأن هشاشة الخدمات والفقر في البنى التحتية ستظهر عارية أمام أي أزمة كبرى. أما إقليم كوردستان، فسيدفع الثمن غالياً، سياسياً وإنسانياً، لأن هذا الوسيط الدولي كان يوازن العلاقة بين أربيل وبغداد، إلى حد ما، ويمنحه مساحة تفاوض خارج منطق الغلبة العددية.
 
وبين ارتطام الصخرتين سيدفع المواطن الثمن، بل هو الخاسر الأول والأخير في هذه المعادلة.

 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

معد فياض

تفادي الأخطاء قبل الطوفان

الأنظمة الوطنية التي يُفترض أنها وصلت إلى مواقع الحكم بأصوات الناخبين، وتعمل من أجل بناء البلد ورفاهية الشعب وتقدمه، يجب أن تراجع نفسها، أن تقيّم أخطاءها، أن تعترف بمثالبها وتعمل على تصحيح مسارها، أن تتعلم من ممارساتها ومن أخطاء وإنجازات الأنظمة الأخرى، أن تكون شفافة مع نفسها ومع مواطنيها حتى تستمر في مواقعها، أو تنسحب لصالح غيرها.