شهد إقليم كوردستان في الحادي عشر من تشرين الثاني 2025 مشهداً استثنائياً مع انطلاق انتخابات برلمان العراق، حيث تحوّل اليوم الانتخابي إلى تعبير جماعي عن إرادة شعب عرف معنى التحدي والصمود.
لم تكن الانتخابات مجرد حدث سياسي، بل كانت ملحمة وعي وكرامة وطنية، أكّد خلالها الشعب الكوردستاني أنه قادر على رسم مستقبله بيده، مهما كانت التحديات.
عبر تاريخه الحديث، تعرّض الشعب الكوردستاني إلى مخطط ممنهج للإبادة الجماعية، تمثل في عمليات الأنفال والقصف بالأسلحة الكيمياوية في حلبجة، وفي محاولات متكررة لمحاربة لقمة عيشه وحرمانه من موارده الاقتصادية. ومع ذلك، لم يفقد هذا الشعب ثقته بنفسه ولا إيمانه بعدالة قضيته، بل جعل من كل جرحٍ منطلقاً جديداً لبناء حياة أكثر ثباتاً واستقراراً.
في انتخابات هذا العام، أثبت الشعب الكوردستاني أن وعيه الشعبي هو أقوى السلاح لمواجهة كل محاولات الإضعاف والتشويه. فرغم سياسة التجويع وتأخير الرواتب وضرب المنشآت النفطية ووضع العراقيل أمام تطوير الإقليم، لم تمنع هذه التحديات المواطنين من التوجه منذ الصباح الباكر إلى مراكز الاقتراع، ليؤكدوا أن إرادتهم صلبة وعزيمتهم لا تُقهر.
لقد حاول البعض استغلال الأزمات المعيشية وملفات النفط والرواتب لإثارة الإحباط داخل المجتمع الكوردستاني، معتقدين أن ضرب البنية الاقتصادية سيُضعف الالتفاف الشعبي حول مؤسسات الإقليم. غير أن النتيجة جاءت عكس ما أرادوه تماماً، إذ كشف الإقبال الواسع على المشاركة الانتخابية أن الشعب الكوردستاني يميّز جيداً بين الخلاف السياسي المشروع والمؤامرة على كيانه.
هذا المشهد الانتخابي لم يكن انتصاراً لحزبٍ بعينه، بل انتصاراً لإرادة جماعية تدافع عن كوردستان كفكرة وهوية وكيان سياسي وإنساني. إنه تأكيد جديد على أن الانتماء الحقيقي في كوردستان هو للوطن أولاً، قبل أي ولاءات فرعية. المواطن الكوردستاني، الذي واجه لعقود ويلات القصف والتهجير والحرمان، لا يمكن أن يسمح اليوم بإسقاط تجربته الديمقراطية أو المساس بمكتسباته التي تحققت بدماء الشهداء وتضحيات الأجيال.
كما أن هذا النجاح الشعبي لا يمكن فصله عن جهود حكومة الإقليم ومؤسساته الأمنية والخدمية، التي حافظت على سير العملية الانتخابية بسلاسة وأمان، رغم كل محاولات التشويش والتخريب. لقد أدارت كوردستان واحدة من أكثر التجارب الانتخابية تنظيماً في المنطقة، وهو ما يعكس نضجاً سياسياً وشعبياً متراكماً على مدى العقود الماضية.
الانتخابات الأخيرة مثّلت أيضاً رسالة واضحة لبغداد وللعالم بأن كوردستان جزء فاعل في العملية السياسية العراقية، لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بخصوصيتها ومؤسساتها وكرامتها التي لا تقبل المساومة. اختار الشعب الكوردستاني الرد على محاولات التهميش بالمشاركة، وعلى حملات التشويه بالفعل الإيجابي، ليؤكد مرة أخرى أن الحوار والشراكة هما السبيل الوحيد لحماية وحدة العراق واستقراره.
إن الانتصار الحقيقي الذي تحقق في 11 تشرين الثاني لم يكن فقط في صناديق الاقتراع، بل في وحدة الموقف الشعبي، وفي وعي المواطنين بأهمية الحفاظ على التجربة الديمقراطية داخل الإقليم، بوصفها نموذجاً يحتذى في بيئة إقليمية تموج بالصراعات والانقسامات.
نعم، كلنا مدينون لشعب كوردستان - الذي قاوم الإبادة، وصمد أمام الحصار، وانتصر للكرامة والحق. شعبٌ أدرك أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، وأن كوردستان ليست مجرد أرض، بل رمز للبقاء والإصرار والإرادة الإنسانية.
"تحيا كوردستان، ويحيا شعبها الوفيّ العظيم".
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً