رجال المذهب والقانون

12-08-2024
نزند بكيخاني
A+ A-

في مطلع هذا الشهر، أعاد مجلس النواب العراقي مشروع القانون الجعفري وتعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي المرقم 188 لسنة 1959 إلى ميدان البحث والحوار البرلماني. المصادقة على القراءة الأولى أثارت موجة جديدة من السخط والاعتراض من جانب القضاة والمهتمين بالديمقراطية وحقوق الإنسان وخاصة حقوق الأطفال.

مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي، تعود أصوله إلى مفهوم مرتبط بتاريخ العراق والطائفية والحروب المتتالية، ورغم وجود عيوب في قانون الأحوال الشخصية العراقي المرقم 188 لسنة 1959 إلا أنه يعد واحداً من أفضل القوانين في المنطقة. كذلك، شهد القانون مجموعة إصلاحات في فقراته فيما بعد بحدف تحسينه وجعله يلائم أحوال العصر. لكن، في عهد صدام حسين وخاصة بعد حرب الخليج، ومن أجل السيطرة وكسب تعاطف ومشاعر الناس، أغفل صدام حسين هذا القانون لينمي الأعراق العتيقة القبلية وعاد إلى الدين كوسيلة سياسية.

بعد سقوط نظام البعث، أصدر الحاكم المدني الأمريكي في سلطة التحالف الموقتة، بول بريمر، في العام 2003 وبالتعاون مع شخصيات دينية شيعية وأصوليين معارضين لقانون الأحوال الشخصية العراقي، القرار المرقم 137. كان القرار المذكور محاولة لإلغاء القانون رقم 188 لسنة 1959، وملتزماً بعقلية السلطة الذكورية والمذهب الشيعي ومخالفاً لمبادئ حقوق الإنسان.

ورغم التنامي المشهود لاعتراضات الحركة النسوية والناشطين المدنيين لذلك القرار، فإن مضمون قرار بول بريمر أصبح فقرة من الدستور العراقي (الفقرة 41) والتي تمنح العراقيين الحق في الإشارة إلى مذاهبهم عند تنظيم الأحوال الشخصية. هذه المادة الدستورية أثارت من البداية سخط ومعارضة المجتمع المدني والناشطين في مجال حقوق المرأة، ولا تزال الفقرة 41 من الدستور العراقي محل جدل وسخط، ويطالب الناشطون النسويون والمدافعون عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني بتعديلها.

وفيما بعد، أدت محاربة الإرهاب وبروز التيار السلفي والتنظيمات الأصولية كالقاعدة وداعش، على سبيل المثال، إلى المزيد من الصعوبات وانتهاكات حقوق الإنسان وتضييق الحريات، ونتيجة لتلك الظروف تعرضت النساء في عموم العراق على مدى 20 سنة الأخيرة إلى سلسلة من حملات التمييز والعنف والتحرش الجنسي والخطف والقتل بحجة غسل العار، ومع ذلك، كان للنساء في عموم العراق وخاصة إقليم كوردستان دور كبير في توعية الرأي العام بمساعدة شخصيات تقدمية في السلطة، وأجري العديد من الإصلاحات وأصدرت قوانين جديدة كقانون مناهضة العنف الأسري رقم 8 لسنة 2011 في إقليم كوردستان، لكن هذه القوانين لم تحدث تغييراً كبيراً في العقلية العامة والواقع الاجتماعي والعلاقات الجندرية في العراق.

وتشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان إلى أن النساء في العراق يتعرضن باستمرار إلى العنف الأسري والتحرش الجنسي والضرب والتشهير في مواقع النواصل الاجتماعي وصولاً إلى القتل بذريعة غسل العار. بعض هذه التقارير، وخصوصاً تقارير مراقبة حقوق الإنسان، يتحدث عن تورط القوات الأمنية التابعة للحكومة العراقية في الانتهاكات والعنف ضد المرأة.

القانون الجعفري ومشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية برز في هذا السياق المعقد والصعب، واسم القانون يشير إلى الإمام السادس للشيعة، جعفر الصادق، وقد عرض على مجلس الوزراء في تشرين الأول 2013 من قبل وزير العدل العراقي حينها وعضو حزب الفضيلة، حسن الشمري، ويتناول مشروع القانون ثلاثة مواضيع رئيسة في قانون الأحوال الشخصية وهي: الزواج والطلاق والميراث.

أجريت القراءة الأولى لمشروع القانون في شباط 2014، وأثارت استياء التقدميين في المجتمعات السياسية والمدنية والنسوية في العراق، والذين يرون أن مشروع القانون هذا يخدم المصالح الذكورية والطائفية والمتشددين من أتباع المذهب الشيعي في عدم الالتزام بقوانين الدولة، واتخاذ الدين والمرجع الشيعي مركزاً للقرارات التي تخدم مصالحهم الخاصة.

القانون يتألف من 253 فقرة، وهو مخالف لمبادئ حقوق المرأة والطفل والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فمشروع القانون هذا يعزز التخلف والرجعية والطائفية والانتهاكات والعنف في بلد متعدد المذاهب والأديان والثقافات، ولمواجهة مشروع القانون على أفضل نحو، علينا الدخول في التفاصيل لنعرف إلى أي حد هو جائر ويسلب المرأة حقها في أن تكون إنساناً، ويحولها إلى مجرد سلعة لتلبية رغبات الرجل وإمتاعه، كما يسمح باغتصاب الأطفال.

أخطر فقرات مشروع القانون، هي الفقرة 50 الخاصة بزواج الأطفال، التي تمنح الأب والجد الحق في تزويج بناتهم وهن قاصرات وتقضي بشرعية كون جسم الطفلة وعضوها التناسلي مناسبين لممارسة الجنس عندما تكون في التاسعة من العمر، وهذه الفقرة تشمل الصبي أيضاً، وتقول إنه يحق للأب والجد أن يزوجا بالإكراه أبنائهم وبناتهم أو شخص يعاني من اضطرابات نفسية مرتبطة بالمراهقة.

من الفقرات الخطيرة الأخرى في مشروع القانون، الفقرة 110 التي تمنح الزوج كل الحق في الاستمتاع بزوجته كما يشاء، أي أن يجامعها متى ما أراد وبأي صورة يشتهيها ليتمتع بها كامل التمتع كما ورد في عقد الزواج. من الجوانب الأخرى الخطيرة لهذه الفقرة قولها إن المرأة لا يحق لها الخروج من بيت زوجها بدون استئذان، وهذا موضح بصورة أكثر في الفقرة 108 الخاصة بكون الزوجة مطيعة والتي تقول إن المرأة إن خالفت ولم تسمح لزوجها بالاستمتاع بها استمتاعاً تاماً فإنها تحرم من حقوق الإعالة والمأوى والمبيت. هذه الفقرة تشدد على هذا الجانب وتقول إنه في حال رفضت المرأة الجماع مع زوجها مرة ولم تسمح له بالاستمتاع التام بها، أو خرجت من دارها بدون إذن زوجها، فإن الزوج يحرمها من حقوقها المالية.

الفقرات الأخرى الخطيرات هي الفقرة 62 (تشريع تعدد الزوجات)، والفقرة 118 (حرمان الأم من أولادها بعد الطلاق)، والفقرة 126 (الحرمان من الحقوق المالية)، والفقرة 147 (الخاصة بالطلاق).

بخصوص تعدد الزوجات، تمنح الفقرة 62 الحق للرجل بأن يتزوج أربع نساء ويخطب واحدة أخرى، وفي حال كانت زوجاته الأربع معه في نفس الوقت لا يحق له أن يتزوج الخامسة.

وعن الحقوق المالية وحضانة الأطفال، تقول الفقرة 118 إنه في حال انفصال الأبوين، وتزوجت الأم من شخص آخر، فستحرم من حق حضانة الأولاد وهذا الحق محفوظ للأب فقط حتى بعد أن تنفصل الأم عن زوجها الثاني.

وجاء في الفقرة 126 أن الرجل ليس مجبراً على تأمين قوت زوجته عندما تكون صغيرة جداً ولا يستطيع التمتع بها كاملاً وكما يشتهي بسبب عدم اكتمالها جسدياً.

وفي مسألة الطلاق، تمنح المادة 147 الحق للرجل بتطليق زوجته بلا مبرر وأن لا يعود إليها حتى إن كانت الزوجة طفلة عمرها أقل من تسع سنوات ولا يراعي العدة المنصوص عليها في القرآن كي تعتد بها المرأة بعد الطلاق.

هذا بعض الفقرات الخطيرة في مشروع قانون الأحوال الشخصية البعيدة عن كل مبادئ الإنسانية والحق والمساواة والعدل، خاصة في ما يرتبط بحقوق المرأة والطفل، وأخطرها بلا شك الفقرات الخاصة بتزويج البنات في عمر الطفول، خاصة وأن مشروع القانون لم يحدد الحد الأدنى لعمر الزواج (الشفاهي أو الكتابي) وهذا يعني أن مشروع القانون يسمح للرجل بالزواج من المرأة من ساعة ولادتها ليدخل بها فيما بعد، واتخذوا هنا من عدم نضج الأعضاء التناسلية للبنات سبباً لتشريع هذا المشروع اللاإنساني. الأسوأ من هذا هو أن المشروع يتهم البنت بأن جسدها غير جاهز للممارسة الجنسية والتمتع المطلق من جانب الرجل.

مشروع القانون هذا يشكل خطراً كبيراً وتمريره في البرلمان سيكون بمثابة كارثة لا تقل شأناً عن كوارث الحروب. النقاشات قسمت المجتمع العراقي من جديد على جبهتين: جبهة رجعية يصفها علي الوردي بالبدوية والجاهلة، وجبهة مدنية تقدمية تدافع عن حقوق الإنسان.

مناقشة مشروع قانون كهذا في مجلس النواب هو في حد ذاته رجوع إلى الجاهلية ويغرق المجتمع العراقي تماماً في المذهبية والطائفية والرجعية وظلم الرجل، والأخطر من ذلك حياة ومصير بناتنا، فهذا المشروع يسوق البنات نحو مستقبل أسود ويحولهن إلى سلعة يستمتع بها مطلقاً رجال المذهب والدين السياسي. اليوم، من واجب كل ذي ضمير منصف، رجلاً كان أم امرأة، في العراق وفي المجتمع الدولي أن يتصدى لتلك الجبهة الظلامية في مجلس النواب العراقي ويمنع تماديها أكثر من هذا إلى المصادقة على مشروع قانون من هذا القبيل.

 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

معد فياض

نيجيرفان بارزاني.. من زاخو إلى الفاو

"من زاخو إلى الفاو" مقولة تداولها السياسيون العراقيون وعبر جميع الحقب الزمنية تعبيراً عن وحدة العراق والعراقيين، لكنهم لم يحققوها، حتى إن هذه المقولة تمزق جوهرها الحقيقي لكثرة استخدامها، ولم تعد ذات مصداقية.