من المقرر أن يجتمع زعيما أكبر اقتصادين في العالم في بكين يومي 14 و15 أيار 2026. أحد المحاور الرئيسية لهذا اللقاء هو قضية الطاقة؛ خاصة وأن الغموض والتعقيدات في الصراع بين أميركا وإسرائيل مع إيران واستمرار إغلاق مضيق هرمز، لا تشكل تهديداً لإمدادات النفط الصينية فحسب، بل تعرض أيضاً الأهداف التي بدأتها الصين للاستثمار الأجنبي وبناء البنية التحتية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ودول الخليج للخطر.
لأكثر من عقدين، استثمرت الصين 2.57 تريليون دولار في 14 قطاعاً مختلفاً في 162 دولة حول العالم. أكثر من نصف هذا المبلغ كان في قطاعي الطاقة والنقل، بهدف ضمان أمن الطاقة وطرق إيصال البضائع. وأحدث مثال في العراق هو الإعلان عن اكتشاف حقل نفطي باحتياطي يبلغ 8 مليارات برميل، إلى جانب الاستثمار في محطة لإنتاج الكهرباء بقدرة 2100 ميغاواط.
إذا جرت اجتماعات بكين وفقاً للخطط، فمن المتوقع أن يتجاوز حجم رأس المال الذي ستولده 250 مليار دولار. أحد أهداف الرئيس ترمب هو تغيير اتجاه إمدادات الطاقة للصين، ويأتي هذا في وقت كان فيه ثلث كل استثمار أجنبي صيني في قطاع الطاقة.
في السابق، كان عمل الشركات الصينية في العالم والعراق يقتصر في الغالب على الخدمات وتوفير المعدات للحقول النفطية والغازية (بسبب العمالة الرخيصة والتكنولوجيا منخفضة التكلفة)، لكن النموذج تغير الآن. عاماً بعد عام، تتجه الشركات نحو الاستثمار وبناء البنية التحتية؛ حيث ذهبت حصة الأسد من مبلغ 2.57 تريليون دولار الذي أنفقته في جميع أنحاء العالم إلى الشرق الأوسط.
بلغ رأس مال الاستثمار الصيني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين عامي 2005 و2025 نحو 295 مليار دولار. العراق هو أحد البلدان التي لها حصة كبيرة في هذه الزيادة، ويحتل المرتبة الثالثة بعد السعودية والإمارات بنحو 40 مليار دولار.
توزع استثمارات الصين في القطاعات المختلفة
من بين 14 قطاعاً أنفقت الصين فيها أموالها، كانت الحصة الأكبر لقطاعي الطاقة والنقل: 902 مليار دولار في النفط والغاز و477 مليار دولار في قطاع النقل. وهذا يحقق هدفين رئيسيين:
1. ضمان أمن الطاقة: تستورد الصين 70% من نفطها و40% من احتياجاتها من الغاز. لقد خلقت التوترات في المنطقة مشاكل لها، وحتى الآن حافظت على توازن الأسواق فقط باستخدام النفط المخزون.
2. ربط العالم: تسهيل نقل البضائع، حيث تصدر الصين ما قيمته نصف تريليون دولار من البضائع سنوياً.
من المثير للاهتمام أن الصينيين لديهم أقل استثمار في قطاعي الصحة والمواد الكيميائية. وهذا يدل على أن الاستثمار الأجنبي الصيني كان يعتمد بشكل أكبر على احتياجاته الخاصة، وليس على مساعدة البلدان المضيفة، خاصة في مناطق الشرق الأوسط وأفريقيا، التي تتوق إلى تطوير قطاعها الصحي.
موقع العراق على خريطة الاستثمار الأجنبي والبناء الصينية
وفقاً لبيانات معهد المشروع الأميركي (AEI)، يتقدم العراق بفارق كبير على إيران وتركيا في الترتيب. يشكل العراق 14.2% من إجمالي استثمارات الصين في المنطقة. من إجمالي 39.5 مليار دولار أنفقتها الصين في العراق، كان ما يقرب من 35 مليار دولار في قطاع الطاقة وحده (15.5 مليار كاستثمار و19.1 مليار كبناء).
ويأتي قطاع العقارات في المرتبة الثانية بـ 2.4 مليار دولار. في المقابل، تراجعت استثمارات الصين في دول مثل إسرائيل والأردن وإيران في السنوات الأخيرة، ووصلت إلى الصفر في بعض السنوات.
منذ عام 2018، عندما وقع العراق والصين تفاهماً واسعاً، أصبح موقع الشركات الصينية في العراق يظهر كيف يزداد قوة يوماً بعد يوم. إذا تم منح المشروع الاستراتيجي لخط أنابيب "البصرة - حديثة" لشركة صينية، فيمكننا القول إن سيطرة الصين على البنية التحتية للطاقة في العراق ستدخل مرحلة جديدة.
الاجتماعات القادمة في بكين بين الرئيس دونالد ترمب وشي جين بينغ لن تكون حاسمة فقط لمسألة الحرب والتوترات، بل أيضاً لمستقبل سوق الطاقة العالمي، حيث من المتوقع أن تبذل الصين جهودها لإعادة فتح مضيق هرمز عبر الوساطة.
في المقابل، تريد أميركا جذب جزء من إمدادات الطاقة للصين نحوها وتغيير اتجاهها إلى أميركا، وكلاهما سيكون له تأثير كبير على السوق. لذلك، يمكننا القول إن بكين وساحة تيانانمن تنتظران القرارات الكبرى.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً