تعيش روجافا كوردستان اليوم واحدة من أكثر مراحلها خطورة منذ تشكّل واقعها السياسي والعسكري خلال سنوات الحرب السورية. فبين الانسحابات السريعة والمتلاحقة للقوات الأميركية وقوات التحالف الدولي من المناطق الكوردية، وتراجع الاهتمام الدولي، وتصاعد الضغوط الإقليمية، تبدو المنطقة وكأنها تُدفع بهدوء نحو فراغ قاتل، تُعاد فيه كتابة الوقائع على الأرض دون ضمانات أو شراكات حقيقية.
هذه ليست لحظة عابرة، بل منعطف تاريخي تتقاطع فيه السياسة مع الحرب، ويُختبر فيه ما تبقّى من قدرة روجافا على الصمود السياسي، لا العسكري فقط.
انسحابات سريعة ورسائل أوضح من البيانات
ما يجري على الأرض يتجاوز لغة التصريحات الدبلوماسية. تفكيك قواعد، سحب معدات ثقيلة، تقليص الوجود العسكري، وانسحاب متسارع لقوات أميركية وقوات التحالف من مناطق كوردية حساسة، كلها مؤشرات عملية على نهاية مرحلة وبداية أخرى أكثر غموضاً.
الولايات المتحدة لم تعد تتحدث عن "حماية الشركاء"، بل عن "إدارة المخاطر" و"تقليص الكلف". وفي منطق السياسة الدولية، غالباً ما يكون الحلفاء المحليون أول من يُضحّى بهم عند تغيّر الأولويات. روجافا كوردستان، التي كانت لسنوات شريكاً ميدانياً رئيسياً في الحرب على داعش، باتت اليوم ملفاً أمنياً قابلاً للإهمال أو المقايضة.
التاريخ القريب لا يرحم
عفرين لم تكن استثناءً، بل إنذاراً مبكراً لما يحدث حين يُرفع الغطاء الدولي. سري كانيه وكري سبي أكدتا أن التفاهمات الدولية هشة، وأن المناطق الكوردية أول من يدفع ثمن الصفقات الإقليمية.
ورغم ما رافق هذه المحطات من تهجير قسري، وتغيير ديموغرافي، وانتهاكات موثقة، لم تتحول إلى درس سياسي جامع يُعاد على أساسه بناء الاستراتيجية في روجافا كوردستان. بقيت المأساة في الذاكرة، لا في القرار.
واليوم، مع ما تعرض له أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في حلب من حصار وضغوط أمنية وحربيةواقتصادية خانقة، يتأكد أن الخطر لم يعد محصوراً في الأطراف، بل وصل إلى قلب المدن، وإلى تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
شريك أمني بلا أفق سياسي
في معظم النقاشات الدولية، تُختزل روجافا كوردستان في دورها الأمني: محاربة الإرهاب، إدارة السجون، ضبط الاستقرار المؤقت. نادراً ما يُطرح مستقبلها السياسي بجدية، أو تُناقش حقوق سكانها ضمن أي حل شامل لسوريا.
هذا الاختزال لم يُفرض من الخارج فقط، بل ساهم فيه ضعف الخطاب السياسي الداخلي، وتأخر الانتقال من منطق الحرب إلى منطق السياسة. حين تُقدَّم القضية بوصفها وظيفة، يسهل الاستغناء عنها متى انتهت الحاجة.
الدور الكوردي العام والحراك في المهجر
في خضم هذا المشهد، لا يمكن تجاهل جهود السيد الرئيس مسعود بارزاني، الذي لعب دوراً مهماً في تسليط الضوء سياسياً ودبلوماسياً على ما تتعرض له المناطق الكوردية في سوريا، والسعي إلى كبح الزحف العسكري ومنع تكرار سيناريوهات التهجير، عبر اتصالاته الإقليمية والدولية.
كما شكّلت المظاهرات الكوردية الواسعة في المناطق الكوردية وأوروبا عامل ضغط أخلاقي وإعلامي لافت، أعاد قضية روجافا كوردستان إلى الواجهة، وذكّر الرأي العام العالمي بأن ما يجري ليس تفصيلاً أمنياً، بل مأساة شعب يُترك لمصيره.
غير أن هذه الجهود، على أهميتها، لا يمكن أن تعوّض غياب مشروع سياسي واضح من داخل روجافا نفسها.
أسئلة مؤجّلة وخيارات ضائعة
لا يمكن إنقاذ روجافا كوردستان دون مواجهة الإشكالات الداخلية بجرأة. ضعف الشراكة الكوردية - الكوردية، محدودية الانفتاح السياسي، تضييق مساحة النقد، وتأخر بناء رؤية انتقالية من زمن الحرب إلى زمن السياسة.
في لحظات التحوّل الكبرى، لا يكفي الصمود العسكري، بل تُحسم المعركة بالسياسة، وبالقدرة على قراءة التغيرات قبل أن تتحول إلى كوارث.
تعب لا رضوخ
الهدوء الذي يسود الشارع في روجافا ليس قبولاً بما يجري، بل إنهاكاً عميقاً. الناس مثقلة بالأزمات المعيشية، فاقدة للثقة بالمسارات السياسية، لكنها تدرك أن الانسحابات السريعة وغياب الضمانات ينذران بما هو أخطر. هذا الصمت، إن طال، قد يتحول إلى فراغ، والفراغ في هذه الجغرافيا لا يبقى بلا مالك.
السياسة قبل فوات الأوان
روجافا كوردستان اليوم أمام اختبار حاسم. إما قراءة الواقع كما هو، والبناء على دروس عفرين وسري كانيه وكري سبي، وما جري في الأشرفية والشيخ مقصود، والاستعداد الجدي لمرحلة ما بعد الانسحابات الأميركية وقوات التحالف، أو الاستمرار في سياسة الانتظار، التي لم تنتج يوماً سوى الخسارة.
حين تُترك روجافا كوردستان وحدها، لا يكون الخطر في الحرب وحدها، بل في غياب السياسة في زمن الحرب. والخرائط التي تُرسم اليوم، سيُطلب ممن غاب عنها غداً أن يتكيّف معها، مهما كان الثمن.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً