في لحظة فارقة من تاريخ الكورد السوريين، انطلقت عجلة دبلوماسية غير مسبوقة، وسط غبار الحرب ودوامة الإنكار المتجذّر.
ها هو وفد قامشلو - المحمّل بآمال شعب مُهمَّش منذ تأسيس الدولة السورية - يخطو إلى طاولة المفاوضات مع نظام لا يعترف دستورياً بوجوده، ويواجه معارضة تقبل بالغريب وترفض شريك الوطن.
فهل يمكن حقاً كسر هذا الجدار العقائدي الصلب؟ وهل تكفي لغة السياسة وحدها أمام فكر أصولي يرى في الكوردي خطراً وجودياً؟
أسئلة ثقيلة في لحظة حساسة.. والإجابات مفتوحة على كل الاحتمالات.
مفاوضات غير متكافئة.. وفد قومي (كوردي) في مواجهة فكر أصولي متطرّف.
منذ انعقاد مؤتمر قامشلو في 26 /4/ 2025، تشكّل وفد كوردي دبلوماسي جاهز وينتظر، يعكس لأول مرة تنوّع الحالة السياسية والمجتمعية في "كوردستان سوريا". لكن هذا الوفد اليوم أمام تحدٍّ خطير: التفاوض مع عقل سياسي وعقائدي لم يعترف قط بحقوق الكورد، بل يعتبرهم في أحسن الأحوال "مواطنين من درجة أدنى"، وفي أسوأها "مشروع انفصالي يجب كسره".
أصعب ما يواجه الوفد ليس ضعف أوراقه — فلديه شرعية دولية، وواقع ديموغرافي، وتجربة إدارية — بل ذهنية الخصم: فكر أصولي متطرّف لا يساوم على مخرجات "الأمة" العرقية والدينية.
لماذا يُرحّب السوريون بالغرباء ويكرهون شريكهم الكوردي؟
سؤال لا يزال يؤرّق النخبة الكوردية:
لماذا هذا الترحاب الواسع بالايغور والتتار والشيشان وغيرهم - رغم أنهم قدموا كمهاجرين، وتحمّلهم الدولة - بينما الكوردي، ابن الجغرافيا والتاريخ، يُعامل كغريب في وطنه؟
الجواب في تعقيد الهوية السورية الحديثة:
- تَشَكُّل خطاب قومي إسلامي — منذ السبعينيات — يرفض الاعتراف بالتعددية.
- توارث خرافات سياسية عن "مشروع كردستان الكبرى".
- استثمار الأنظمة الديكتاتورية في تأجيج الكراهية تجاه الكورد كعدو داخلي مزعوم.
الدرس العراقي: ماذا تعلّمنا من محاصرة إقليم كوردستان؟
رغم الاعتراف الدستوري الرسمي بإقليم كوردستان في العراق، لا تزال بغداد تعرقل كل محاولات الاستقلال المالي والسياسي:
- تعطيل الموازنة.
- وقف رواتب الموظفين.
- إثقال الإقليم بالأزمات السياسية المفتعلة.
هذا الدرس القريب يقول بوضوح: حتى مع الاعتراف الدستوري، لا يكفي توقيع الاتفاقات إذا لم تتغيّر الثقافة السياسية لدى من يحكم.
فما بالنا بوفد كوردي سيفاوض اليوم حكومة غير دستورية، يسيطر عليها تحالف فكر بعثي — أصولي — عابر للزمن..؟.
أوراق قوة الكورد.. ونقاط الخطر في التفاوض الأول
ورقة القوة الأساسية لدى الكورد:
- وجود شعب راسخ في الجغرافيا.
- تجربة إدارة ذاتية مستمرة.
- دعم دولي نسبي من قوى التحالف.
نقاط الخطر كثيرة:
- عدم وجود اعتراف دستوري سابق.
- انقسام النخب الكوردية.
- عدم وجود حلفاء عرب ديمقراطيين داخل المعارضة.
الوعي الشعبي هو المعركة الحقيقية.. هل نحن مستعدون؟
أهم معركة ليست في القاعات المغلقة، بل في الشارع:
هل سيفهم السوريون العرب أن الكورد ليسوا "غرباء"؟
هل سيفهم الكورد أن الحقوق تُنتزع بالنَفَس الطويل لا بالشعارات؟
بناء وعي شعبي جديد هو شرط كل انتصار سياسي.
خاتمة:
اليوم، أمام وفد قامشلو فرصة ذهبية لصناعة صفحة جديدة، لكن لا أوهام، جدار الإنكار سميك والثقافة العنصرية متجذّرة.
وما لم يتحرّك الوعي الشعبي العربي - وما لم تحترق آخر أوهام العنصرية القومية - سيبقى الكورد رهائن طاولة بلا ضمانات.
ومع ذلك، لا خيار سوى المحاولة، فكما قال أحد القدماء: "نحاول.. لأننا لو لم نحاول.. سنكون قد خسرنا مرتين".
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً