علم كوردستان كرمز سياسي وثقافي في سياق روجافا

10-02-2026
الكلمات الدالة علم كوردستان
A+ A-
تطفو على السطح بين الحين والآخر إشكاليات تتعلّق برفع علم كوردستان في روجافا، لاسيما في المناسبات العامة ذات الطابع الوطني. هذه الإشكالية، في جوهرها، لا تتعلّق بقطعة قماش أو بتفصيل بروتوكولي، بل تمسّ عمق السيكولوجية الجمعية للشعب، وعلاقته بالرمز والهوية والجغرافية.
 
في روجافا اليوم، يمكن القول إننا أمام "مباراة وطنية" بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أحد طرفي هذه المباراة هو كوردستان روجافا، حتى وإن بدا هذا الوصف صعباً أو غير مريح للبعض. وفي علم النفس الجمعي، مثل هذه المناسبات تُفعِّل الحاجة إلى رمز جامع، رمز يتجاوز الانتماءات الفرعية ويخاطب الشعور العام بالانتماء. هنا، يظهر العلم الوطني بوصفه الأداة الرمزية الأكثر قدرة على أداء هذا الدور.
 
رفع أعلام الأحزاب أو المنظمات في هذه المناسبات قد يمنح شعوراً بالرضا الآني لمؤيدي تلك الجهات، وهو أمر يمكن فهمه في سياقه السياسي والتنظيمي. إلا أن هذا الرضا اللحظي لا يترجم، على المدى المتوسط أو البعيد، إلى ترسيخ هوية وطنية أو ثقافية جامعة. فـ"ما هو محلي يبقى محلياً" في الوعي الجمعي، بينما الرمز الوطني وحده قادر على الانتقال من الخاص إلى العام، ومن التنظيمي إلى الشعبي.
 
العلم الوطني لا يخاطب الداخل فقط، بل يوجّه رسالة واضحة إلى الخارج أيضًا: هنا جغرافية ذات خصوصية، لها اسم وهوية ورمز. ومع التكرار والاعتياد، يبدأ هذا الرمز بالترسّخ في سيكولوجية الجميع، مؤيدين ومتحفظين، أصدقاء وخصوم. هكذا تعمل الرموز في التاريخ السياسي: لا تُفرض دفعة واحدة، بل تُطَبَّع، ثم تُقبَل، ثم تتحول إلى بديهيات.
 
رفض العلم الوطني من قبل بعض الأطراف الكوردية لا يمكن فهمه خارج إطار الحسابات الحزبية الضيقة، حيث يُقدَّم التنظيم على الثقافة الوطنية، واللحظة السياسية على المسار التاريخي. غير أن المسؤولية هنا ليست سياسية فحسب، بل ثقافية أيضاً. الالتزام بالرمز الوطني هو التزام تجاه الذات الجمعية، وتجاه المستقبل، لأنه في نهاية المطاف يُلزم الطرف الآخر - شاء أم أبى - بالاعتراف بالجغرافية، ومعها بالهوية الوطنية.
 
الهوية الوطنية لا تُلغي الهويات المحلية، ولا تتناقض مع رموز الأحزاب والمنظمات. بالعكس، هي الإطار الأوسع الذي يسمح بتعايش هذه الرموز ضمن سياق واحد. رفع أعلام الأحزاب في المناسبات الوطنية ليس عيباً بحد ذاته، لكنه يصبح إشكالياً حين يزيح العلم الوطني عن موقعه الطبيعي بوصفه الرمز الجامع.
 
في هذه المرحلة، الخيار السياسي الأمثل لا يكمن في تعميق الاستقطاب الحزبي، بل في تعزيز المشترك الرمزي. فالعلم الوطني، بما يحمله من دلالات سياسية وثقافية وتاريخية، يبقى الأقدر على توحيد السيكولوجية الجمعية، وتثبيت اسم كوردستان في الوعي، داخلياً وخارجياً، بعيداً عن التعصّب وقريباً من المعنى العميق للوطن.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب