سقط الصنم .. ولكن ما الذي تغير؟

09-04-2019
محمد زنكنة
A+ A-

في التاسع من نيسان/ابريل لعام 2003 شهدت ساحة الفردوس في بغداد، سقوط اكبر تمثال لصدام حسين كان قد اسدل الستار عنه في الثامن والعشرين من نيسان لعام 2002 وبمناسبة عيد ميلاده الخامس والستين، وفي حينها كان هذا التمثال الاكثر طولا وارتفاعا على مستوى كل تماثيله في العراق اذ بلغ طوله اثنا عشر مترا.

التمثال اسقط من قبل القوات الامريكية التي دخلت بغداد بعد ظهر ذلك اليوم، كانت في البداية قوات تحرير، وتحولت الى قوات احتلال، وكان هذا التمثال واحدا من الاف التماثيل التي انتشرت في محافظات العراق، بل وكان يقال احيانا ان عدد تماثيل صدام، تساوت مع عدد من يحملون الجنسية العراقية، وقد كانت حقا تماثيل تثير الرعب، لكنها كانت جامدة.. لا تتحرك.

حقد طائفي دفين استمر لأكثر من ثمانية عقود، وتصفية لحسابات شخصية بين الاطراف المتصارعة (المتحالفة المتخالفة) على المصالح ، رسم الملامح الحقيقية لما كانت تخطط له العديد من الاطراف المعارضة لصدام والتي كانت موحدة بشكل مؤقت على اسقاطه ، لينتهي هذا التوافق المؤقت بمجرد سقوط من كان يقمعهم وبدون استثناء، فبعد يوم واحد على التحرر من الدكتاتورية، شهدت النجف اول عملية اغتيال سياسي بمقتل رجل الدين الشيعي عبدالمجيد الخوئي رئيس مؤسسة الخوئي في لندن ونجل المرجع الشيعي الراحل ابو القاسم الخوئي.

وتوالت سلسلة الاغتيالات والتصفيات الجسدية والسياسية لتشمل كلا من مبعوث الامم المتحدة للعراق سيرجيو دي ميليو و السيد محمد باقر الحكيم وعقيلة الهاشمي وعزالدين سليم وغيرهم، هذه الجرائم والحملات الثأرية، اعطت الضوء الاخضر لارهابيي القاعدة لتجعل من العراق مرتعا ومعكسرا لها ولتنطلق منه بكل حرية ولتجعل من بغداد مدينة يستحيل فيها العيش باثة منها سمومها لكل المحافظات  التي لم تسلم من شر عملياتهم الارهابية . التهديد بالاستهداف المسلح ، الاستقواء بدول الجوار، تشكيل تجمعات عسكرية ذات طابع ميليشيوي لم يفرق عما كان يسمى بفدائيي واشبال صدام،اصبح واقعا لعراق مابعد صدام والدستور ليس الا وثيقة تنفذ بانتقائية وبتفسيرات عشوائية، والتوافق اصبح شعارا اعلاميا تبيض به صورة الحكام المتنفذين في بغداد، ولكن الا يحق لنا ان نسأل : هل حدث التغيير في العراق حقا؟

لا اريد ان اكون سوداويا ومتشائما لان العراق شهد فعلا تغييرات ايجابية، حيث استطاع المواطن العراقي ولأول مرة في تاريخ هذه الدولة، التعبير عن رأيه وبكل صراحة (وأن كان لفترات مؤقتة وبمزاج المتنفذين في الحكم) واستخدام حقه في التظاهر وانتخاب من يحكمه في انتخابات تتكرر كل اربعة اعوام (وأن كان مشكوكا في امرها ويتم فيها التزوير على عينك ياتاجر وتباع فيها الاصوات والمقاعد البرلمانية بملايين الدولارات)، واصبح للعراق اتصال وتماس مباشر بالعالم، واطلع المواطن اخيرا على آخر تطورات العالم عن طريق الستلايت وشبكات الانترنيت والموبايل والمواقع الاليكترونية وصولا الى السوشيال ميديا (والتي استفيد منها لبث الارهاب والكراهية والعداوة اكثر من اي شيء كان) واصبحت للعراق المئات من القنوات الفضائية والارضية والاذاعات والوكالات الاخبارية التي تنقل هموم الشارع ومايريده الشعب يتغير نهجها (بمزاج من يدفع اكثر)، واصبح المواطن العراقي يسافر لأي مكان واي بلد دون ان يحتجز افراد من عائلته كرهائن بيد الاجهزة الامنية ليضمنوا عودته (على الرغم من ان الجواز العراقي اصبح الاسوأ عالميا والصراع السياسي تحول حتى الى الشركات والخطوط الجوية)،  اليست هذه تغييرات لم يشهدها العراق في العقود الماضية؟

وبالحديث عن الوضع في كوردستان بعد سقوط النظام، لايمكن للصديق والعدو ان ينكر دور القيادة السياسية في كوردستان في تقريب وجهات النظر بين الاطراف المتخاصمة ، ولاينسى لها تحذيرها ولاكثر من مرة والى جانب تركيزها على البناء والاعمار وارساء دعائم الامن والاستقرار في الاقليم، من تفاقم الوضع السياسي في العراق والوصول الى نقطة الصفر التي بات العراق قريبا منها. 

هل نسي قادة العراق رعاية الرئيس مسعود بارزاني للعديد من الاجتماعات والمفاوضات للمصالحة والخروج بحلول ترضي الجميع، وطرح العديد من المبادرات لحلحلة الازمة السياسية؟ هل من المعقول تجاهل تحذيراته من خطر داعش بعد نهاية تنظيم القاعدة ومقتل الزرقاوي وبن لادن؟ لكن بغداد وبكل اسف، لم تهتم بغداد لهذه التحذيرات واستمرت في تعنتها الى ان حصل ماحصل واحتل تنظيم داعش الارهابي ثلث مساحة العراق وخلق جوا احدث فجوة كبيرة بين جميع المكونات القومية والدينية من المستحيل ملؤها بهذه السهولة.

ولذر الرماد في العيون، لم يكن امام متنفذي بغداد الا اتهام اقليم كوردستان بالتواطؤ مع الارهاب والارهابيين وحصر حدود انتصاراتهم المزيفة باحتلال كركوك والوقوف بوجه قوات البيشمركة على الرغم من اشتراك الجانبين في جبهة واحدة وفي خندق واحد ضد الارهاب.

وبرغم التحول من الدكتاتورية الى الديمقراطية، الا ان فكرة حكام بغداد الجدد حول القضية القومية والوطنية في اقليم كوردستان، والقضاء على فكرة الاستعلاء من قبلهم لم تتغير. نعم، اعترف قانون ادارة الدولة المؤقت والدستور الدائم بحق شعب كوردستان، واتفق الجميع على ان يكون تطبيق هذا الدستور ضامنا لوحدة العراق باحترام حقوق شعب كوردستان في شراكة حقيقة، لكن الفدرالية التي طالبت بها كوردستان وتبنتها بعض القوى التي نادت بالاغلبية وعارضتها فيما بعد بحجج واهية وبرغم الاتفاق عليها كمبدأ سليم للحكم لفترة مابعد اسقاط النظام في مؤتمرات لندن وباريس وصلاح الدين، عرفت فيما بعد كأداة لتقسيم العراق (المقسم اصلا). 

ولم يقتنع المتباكون على صدام ورافعوا شعار مقاومة الامريكان (الذين يتوسلون بهم اليوم)، بشراكة الكورد في هذه الدولة، واستمروا في تبييض صورة صدام وتجاهل كل جرائمه تجاه الكوردستانيين ، كما لعب الجانب الآخر على وتر الاغلبية والاقلية لفرض توجهاته والعمل على الغاء كل ما يتعلق بحقوق هذا الشعب باسم الديمقراطية ، هم كانوا يعملون وبكل اصرار على حل كل المؤسسات القانونية والشرعية في الاقليم والبدء من نقطة الصفر مع بغداد في العملية السياسية ومسايرة الكورد بالقوة الناعمة لتكون هي المتحكم الاساسي في كل نقطة تخص الاقليم، ولولا اصرار الرئيس مسعود بارزاني والقيادة السياسية الكوردستانية على الكثير من الامور التي تخص الاقليم، لكانت الارضية خصبة لهكذا اجراء تنسف به بغداد كل ماتحقق للاقليم، وان كان هناك من يعترض على كلامي، انصحه بالاطلاع على الاجراءات التي اتخذها العبادي ضد الاقليم بحجة استفتاء الاستقلال، والقرارات التي اتخذها المالكي تجاه الاقليم والازمة السياسية التي افتعلها الجعفري في فترة ترؤسه للحكومة. 

ان حالة العراق تشبه تجربة قنبلة الانشطار النووي، والتي يتسبب انفجارها في انتشار شضاياها في أكبر مسافة ممكنة لتنفجر كل منها على حدى ولتعلب دور قنبلة انشطارية مصغرة، الدكتاتورية الفردية انتهت بسقوط صدام، واستبدلها معارضوه بدكتاتوريات جماعية وسار في نفس الطريق من تباكوا عليه وندموا على ذلك. الكل، من سياسيين وادارين وحتى صحفيين واعلاميين بات يمثل دور صدام وابنائه في  طريقة الكلام والمشي والحساب والعقاب . 

كان عقاب من يشتم صدام وحزبه الأوحد هو الاعدام، اما عقاب من ينتقد اي حزب من الاحزاب الكثيرة التي لايعرف اغلب العراقيين اي شيء عنها اليوم هي المادة اربعة ارهاب.

 كانت لمباديء ومواثيق حزب البعث قوة الدستور والقانون، اما احزاب مابعد السقوط فقد ساوت بين قوانينها ومواثيق الدين الواجبة التنفيذ، صدام ايضا استغل الدين عندما نسب نفسه الى آل البيت وباتت طاعته اكثر وجوبا، لكنني اعود واقول هو كان لوحده.

كان الفساد المالي والاداري لحزب واحد وفي اطار الحزب لعائلة واحدة تتقاسم الغنائم فيما بينها، اما اليوم يختلف الجميع ويتعارضون فيما بينهم، ويتفقون على تقسيم تركة الفساد والتكتم عن اسرار بعضهم البعض بمبالغ مالية من الممكن ان تكفي لحل مشكلة تسمم المياه في البصرة ومعالجة مشكلة الملوحة في الديوانية وتخليص الكوت من المستنقعات والنفايات المتراكمة.

في بدايات حكم البعث ، تنازل صدام عن جزء كبير من شط العرب لايران لاخماد ثورة الكورد ثم اعلن عليها الحرب، وحكومة ما بعد 2003 سلمت كل مقاليد الحكم بيد ايران على مرأى ومسمع من الامريكان الذين كانوا ومازالوا ينتقدون هذه الحالة دون اي حراك .

وبعد ان اصبح رئيسا، فتح صدام ابواب حدود العراق لتركيا لمحاربة حزب العمال الكوردستاني، والعبادي كاد ان يتوسل بالجيش التركي ليدخل لحدود بلاده لمحاربة واحتلال اقليم كوردستان، لكن العبادي ذهب وذهبت معه آماله التي لم يحققها له الاتراك .

وبعد كل ما ذكر، وكثير مما لم يذكر، لو اعدنا السؤال مرة اخرى وقلنا : ما الذي تغير في العراق بعد سقوط الصنم؟ سيتلخص الجواب في جملة قصيرة تقول : الصنم الاكبر وبقية التماثيل الاخرى، كانت تثير الرعب، لكنها كانت جامدة ولا تتحرك، لكننا نرى اليوم اصنام بروح ودم، تتحرك وتحكم ، لتثير الرعب والارهاب، باسم الحرية والديمقراطية .. هذا ماتغير .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية‬‬‬.


تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب