الحالة الكوردية والحرب الأميركية على إيران

08-03-2026
شيروان الشميراني
A+ A-

أول ما بدأت الضربات الاميركية الإسرائيلية ضد ايران، ونشر خبر احتمالية تغيير النظام الحاكم، ظهرت كلمات وتلميحات من جميع أنحاء العالم عن استغلال الأطراف المعارضة للنظام الإيراني للوضع المستجدّ، وظهرت في الولايات المتحدة أصناف من المعارضة يتقدمهم -رضا البهلوي- نجل شاه المخلوع وظهوره في منتديات، كما برزت منظمة مجاهدي الخلق -منافقي الخلق -حسب التوصيف الإيراني الرسمي وهي منظمة قديمة كانت داخل ايران وجزءاً من الحركة الثورية في 1979 لكن الخلاف الآيدولوجي بين الفكرين الديني الصارم واليساري دفع به الى الخارج معارضة مسلحة في ثمانينيات القرن العشرين، وكانت مكوناً من مكونات القوات العراقية في الحرب.

كل هؤلاء وغيرهم من البلوش، ليسوا في موقع الاعتماد عليهم ميدانياً، خاصة من ينظر الى نفسه الشخصية المحببة والوريثة للنظام الإيراني الشاهنشاهي، وحسب استطلاع مؤسسة ـ كامان الهولندية - 2023 أجرته منظمة داخل الجالية الإيرانية في أوروبا فإن الرجل لا يتمتع إلا بنسبة ظئيلة من التأييد تنحصر في %25 شرط أن تكون ملكية دستورية، لهذا ولأسباب آنية وتاريخية، اتجهت الأنظار الى الطرف الكوردي، والعيون كلها بدأت تنظر إلى ما يحدث في إقليم كوردستان العراق، لأن المجموعات الكوردية الإيرانية المسلحة تستقرّ هناك في مخيمات، وهناك طريق العبور الى الأراضي الإيرانية للمواجهة المباشرة والشروع في تدمير جسد النظام الإيراني العسكري والإداري.

في تناول هذا الأمر الخطير، حدث لغط كبير، وتضاربت موجات من التحليلات والتقارير الإخبارية وتناقضت، السبب الكامن والذي حرّك كل الأمور، هو المهاتفة التي بادر بها الرئيس الأميركي "دونالد ترمب" مع كل من الزعيم الكوردي "مسعود بارزاني" ونجل الرئيس السابق ووريثه في قيادة الحزب بافل جلال طالباني" لكن الأكثر لافتاً للنظر هو حديث ترمب مع "مصطفى هجري" رئيس الحزب الدمقراطي الكوردستاني الإيراني، صاحب الحق التاريخي في النضال ضد الأنظمة الإيرانية منذ تسعة عقود، ومؤسسه هو الأسطورة الرمز في المخيل الكوردي القومي "قاضي محمد" مؤسس جمهورية مهاباد سنة 1947. إن حديث الرئيس الأميركي مع "هجري" فجّر تكهنات كبيرة، ومن حق المراقبين أن يتخيلوا كل شيء بعد نشر هذه المكالمات، ظهر الكثير من التحليلات والتوقعات، غالبيتها ذهبت بالإتجاه الخاطئ، وبعظها كان ظالماً بحق إقليم كوردستان. ومن أشعل هذه الموجة من التكهنات هو اراجيف موقع -اكسيوس-الأميركي. 


إن المؤكد أن ما من شيء عملي حصل في التحرّك الكوردي ضدّ إيران والمشاركة في الحرب إلى جانب الأميركيين، ولا مؤشرات ولا نوايا لذلك، ولو حصل في ظل هذه المعطيات، سيكون ذلك خطأ شبه قاتل لإقليم كوردستان، نسرد في النقاط التالية الأسباب الوجيهة التي تجعل القيادة الكوردية أن تبعتد عن التورّط في هذا الأمر، وهي من ثلاث زوايا.. تاريخية، وآنية، ومستقبلية، كالآتي: -

 اولاً: - تاريخياً إنّ الشعب الكوردي وبما ناله من ظلم وانعدام العدل بعد سايكس - بيكو والحربين العالميتين، اخذ مسار النضال، لكنه تعرض للخداع والخيانة المستمرة من الحلفاء والأصدقاء على طول الخط، ما أكسبه تجربة تاريخيّة اليمة وقاسية وخلقت لديه قناعات واضحة، أولى هذه التجارب هي تأسيس وإعلان "جمهورية كوردستان" في المنطقة الكوردية في ايران وعاصمتها مدينة "مهاباد" العريقة بقيادة رجل الدين والسياسة "قاضي محمد" تحت الحماية الروسية حين كانت تحتل ايران وتحكمها، لكن الصلح بين السوفييت ونظام شاه المخلوع، سمحت للقوات الإيرانية بالتحرك والدخول في حرب مع الدولة الكوردية ومن ثم القضاء عليها وإعدام رئيسها وعدد من قادتها في ميدان "چوارچرا-chwarchra" وسط العاصمة. وكذلك مع القيادة الكوردية العراقية "مصطفى بارزاني" والتخلي عنها في سبعينيات القرن الماضي، قال وقتها هنري كيسنجر للكورد: ومتى كانت السياسة أخلاقية؟".

ثانياً: - الأحداث الآنية، والتي مازالت سخونتها لم تبرد، وربما تشكل الأحداث السورية أقوى الأمثلة على ذلك، إن التورّط الكوردي والسياسة التي اتبعوها في المنطقة الكوردية وشمال شرق سوريا، كان بفعل أميركي، لأن الكورد قرّروا التصدي لتنظيم الدولة وحماية منطقتهم من سطوته وظلمه، حماية للأرض والروح والعِرض، لكن الذي دفع بهم إلى تجاوز منطقتهم وطرد داعش من مناطق سكنية عربية هو أميركا، هي من دربت القوات، وسلحتهم، وحددت لهم ميزانية سنوية من موازنة الدفاع الفدرالية، الذي حصل بعد هروب "بشار الأسد"، والتعاطي الممتاز بين القيادة السورية الجديدة وواشنطن، مال الأميركيون إلى دمشق ورفعوا الغطاء عن قوات سوريا الدمقراطية، حتى لم يكونوا جادّين في الوصول إلى اتفاق مرضي يوحد القلوب والنفوس بين الطرفين، "وربما لا يعجبها ذلك"، فقال لهم "توم باراك" : مهمتكم انتهت. كما حصل أن اتفق ممثل الرئيس الأميركي "بريت ماكغورك" مع الإيرانيين والحشد الشعبي الشيعي ضدّ إقليم كوردستان في أكتوبر 2017 بعد الإستفتاء على حق تقرير المصير.. فالآن لو حدث وأن ذهب الكورد مع الحرب الحالية، فإن إحتمالية وضع الحركة الكُوردية الإيرانية في ذات الموقف ممكن جدّاً.

ثالثاً: - المستقبل، القراءة المستقبلية المبنية على مجريات الحرب الدائرة كلها توحي بعد الإنجرار وراء الصوت الأميركي – الإسرائيلي، لأنه وبغض النظر عن النتيجة وبما أن السياسة لا ضمان لتحقق نتائجها وتنفيذ مخططاتها، فلا ثقة بترمب، ولا أحد قادر على تحديد هدفه وإلى أين سيمضي؟ لو حدث شيء فإن إقليم كوردستان يخاطر مخاطرة كبيرة وقاتلة، للأسباب التالية: -

* سيتعرض إلى قصف إيراني مدمّر بلا رحمة.

* تشن الفصائل المسلحة الشيعية العراقية هجمات جوية -عبر المسيرات- وبرّية على إقليم كوردستان، وبنواطؤ مع الحكومة الفدرالية في بغداد.

* يحدث شرخ غير قابل للمعالجة مع المجتمع الشيعي في العراق وكل العالم، خاصة أن المرجع الشيعي الأعلى – علي السيستاني- وقف مع إيران في هذه الحرب.

* إن إقليم كوردستان مازال جزءاً من العراق، يلتزم بالسياسة الخارجية الرسمية.

* كما أن العلاقة بين طهران وأربيل وطيدة، وبين الطرفين اتفاقات متبادلة بحماية أمن الطرف الثاني، لهذا كله كانت البيانات المتكررة من القيادة الكوردية بأن أراضي إقليم كوردستان لن تكون منطلقاً للتوغل البرّي في إيران.

لكل هذا، وفي ظل هذه الظروف، فقد رفضت القيادة الكوردية العراقية والإيرانية مبدئياً تلبية المطالب المباشرة، وليس من العقل والحكمة أن يكون الكورد مع "حقانية قضيتهم" جسر الغطرسة الغربية في المنطقة، وما قاله ترمب إن الكورد رغبوا بالدخول إلى إيران وأنا قلت لهم لا تفعلوا هو محضُ كذب.

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

معد فياض

تعويض "المؤنفلين" أم رواتب"الرفحاويين"؟

من حق حكومة اقليم كوردستان ان تطالب الحكومة الاتحادية بدفع تعويضات لـ"المؤنفلين" وعوائلهم، نعرف ان جرائم الانفال اقترفها النظام السابق، والذي كان يمثل الحكومة العراقية السابقة التي كانت تحكم البلد، وعلى الحكومات التي جاءت لحكم العراق ان تتحمل ومن خزينة الدولة تبعات ما اقترفته سلفها اسوة ما جرى من حوادث سابقة في دول العالم وحسب القوانين الدولية.