في كل دورة انتخابية يعود السؤال ذاته ليطرق أبواب العقول والضمائر. أين يقف الكورد الفيليون في خارطة القرار السياسي العراقي وكيف يمكن للكوردي الفيلي الذي دفع من تاريخه ثمناً باهظاً من التهجير والحرمان ومصادرة الحقوق وتغييب شبابهم أن يترجم نضاله الطويل إلى حضور فعلي داخل قبة البرلمان؟.
السؤال هذه المرة أكثر ألماً، لأن الانتخابات الأخيرة كشفت مرة أخرى أن أصواتاً كوردية فيلية كثيرة تفرقت بين القوائم والكتل، فضاعت قوتها وتحول أثرها السياسي إلى مجرد أرقام تصب في صالح الآخرين، فمنذ بداية الحملة الانتخابية كانت المسؤولية الملقاة على العوائل الكوردية الفيلية واضحة وهو (التثقيف - التوعية) وتوجيه الشباب نحو اختيار المرشحين الذين يحملون فعلاً قضايا الكورد الفيليين ويمثلونهم بصدق داخل مؤسسات الدولة، فالمشاركة الانتخابية ليست ترفاً سياسياً ولا إجراءً شكلياً لا يغير شيئاً، بل إنها وبكل وضوح وسيلة دستورية لإعادة بناء التوازن بين المكونات ونافذة إصلاح تتيح وضع قضايا الكورد الفيليين، بدءاً من حقوق المواطنة وصولاً إلى ملفات التهجير والجنسية والمفقودين على طاولة البرلمان لا على هامشه.
وإذا كانت العوائل الكوردية الفيلية تتحمل جزءاً من مسؤولية غياب التنسيق، فإن الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والناشطين والمؤسسات الإعلامية يتحملون الجزء الأكبر من ذلك. فهذه الجهات تمتلك أدوات الضغط والتوعية وكان يفترض أن تقود حملات منظمة ومؤثرة لحث المواطن الكوردي الفيلي على التصويت لمرشح كوردي فيلي بشكل مركز، وتوجيه الجهود نحو بناء كتلة قوية لا يمكن تجاوزها في المفاوضات السياسية اللاحقة.
لكن ما حدث في 11/11 يوم الاقتراع بدا صريحاً وقاسياً، فبعد إعلان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات النتائج النهائية قد بينت الحقيقة وهنا تكمن المشكلة، فالأصوات التي كان يمكن أن تنتج نائباً أو اثنين وربما أكثر تشتتت وتحولت إلى رصيد انتخابي لكتل أخرى لا تحمل مشروعاً كوردياً فيلياً، ولا تسعى للدفاع عن قضاياه الجوهرية.
ولعل الأمر المؤسف أن بعض المرشحين الكورد الفيليين دخلوا الانتخابات عبر قوائم أخرى، ما جعل أصواتهم تُحتسب لصالح تلك الكتل لا لصالح الكورد الفيليين أنفسهم، والنتيجة أصوات قيّمة ذهبت إلى غير أهلها، وأصوات كان يمكن أن تشكل فارقاً سياسياً، لكنها بكل صراحة ضاعت في زحمة التنافس بين الكيانات الكبيرة، وهذه الخسارة ليست مجرد رقم في جداول المفوضية، بل درساً سياسياً مراً، يجب أن يستفيد منه.
النظام الديمقراطي كما تثبته تجارب الدول المتقدمة ليس مجرد صناديق اقتراع تفتح وتغلق، بل آلية راقية لتنظيم الحقوق وتثبيتها، وإذا لم يتحرك الكورد الفيليون برؤية موحدة ويصوتوا بطريقة مدروسة ومركزة فسيبقون يدفعون ثمن التشتت ذاته في كل انتخابات.
لقد أثبت الكورد الفيليون عبر التاريخ أن نضالهم سلمي، وأن صوتهم قادر على صناعة الفارق عندما يتوحدون، وتجربتهم في الانتخابات الأخيرة كانت علامة فارقة حين ظهر جيل جديد من الشباب الكوردي الفيلي الذي شارك بوعي أكبر، معلناً أن الديمقراطية تبدأ من صوت واحد، لكنه صوت قادر على فتح الباب للتغيير. أما اليوم فالمطلوب واضح وهو بناء مشروع سياسي كوردي فيلي موحد، قائم على برنامج حقيقي، لا على أسماء متفرقة، ومشروع يجمع الأصوات، لا يشتتها، ويحول المشاركة الانتخابية من واجب وطني فقط إلى قوة سياسية حقيقية لا يمكن تجاوزها.
العراق يعيش لحظة سياسية مهمة، والشرق الأوسط يشهد تغييرات عميقة، والصوت الكوردي الفيلي يجب أن يكون حاضراً بقوة، لا غائباً في تفاصيل الحسابات الحزبية، وإن ضياع الصوت الكوردي الفيلي في هذه الانتخابات ليس نهاية الطريق، بل بداية مراجعة جادة تقول ببساطة: لقد خسرنا معركة الأصوات، فلا يمكن أن نخسر معركة الوعي.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً