بعد 16 أكتوبر، يطرق أسماعنا كل يوم خبر مختلف من كركوك، من قتل وخطف واستقدام عرب إلى كركوك وتوطينهم فيها، واستبدال أو عزل المدراء الكورد وتعيين آخرين من العرب والتركمان في مواقعهم. أحدث هذه التصرفات، والذي أثار حفيظة الكورد في المدينة كان اتخاذ إجراءات إدارية من جانب محافظة كركوك ووزارة الزراعة العراقية، لسحب الأراضي الزراعية التي في حوزة الفلاحين الكورد الذين عادوا بعد سقوط نظام صدام إلى ديارهم ومواطنهم، وإعادتها إلى العرب الوافدين الذين حصلوا على تلك الأراضي كـ"مكرمة" من صدام حسين بموجب قرارات (مجلس قيادة الثورة).
هذه الأراضي الزراعية في أطراف كركوك، والتي تعود ملكيتها إلى الكورد والتركمان، تمت مصادرتها خلال الفترة 1975-1995 وعلى مراحل من قبل نظام البعث وبموجب قرارات مجلس قيادة الثورة، بحجج متنوعة، وعلى النحو الآتي:
صادر القرار 369 في 31 آذار 1975 مساحة وقدرها 131555 دونماً.
صادر القرار 824 في 28 تموز 1976 مساحة وقدرها 38218 دونماً.
صادر القرار 949 في 23 آب 1977 مساحة وقدرها 123391 دونماً.
صادر القرار 931 في العام 1995 مساحة وقدرها 900000 دونم.
ويبلغ مجموع مساحات هذه الأراضي المصادرة 1193164 دونماً من الأراضي الزراعية، وتم تخصيصها فيما بعد لإسكان العرب الوافدين، في إطار عملية التعريب، ويقع القسم الأكبر من هذه الأراضي ضمن حدود قرى كوردية وتركمانية محيطة بمدينة كركوك، حيث تم في ظل حكم البعث تهجير سكانها ومنح أراضيها للعرب الوافدين الذين أحلوا محل السكان الأصليين.
بعد سقوط نظام صدام، وفي إطار الإجراءات الدستورية التي نصت عليها المادة 140 من الدستور العراقي، عاد الكورد إلى ديارهم، وتم بموجب تلك الإجراءات تعويض العرب الوافدين وكان يجب أن يعودوا إلى مواطنهم السابقة، لكن الكورد أخطأوا عندما سمحوا لكثير من أولئك بالبقاء في منطقة كركوك، لينتهزوا فرصة كالتغييرات التي حدثت بعد 16 أكتوبر، ويبدأوا بمضايقة الكورد ليصادروا أموالهم وممتلكاتهم من جديد. شكل أولئك، لفترة، تهديداً كبيراً على حياة الكورد في تلك القرى من خلال فلول داعش، ثم وبدعم من إدارة كركوك وسلطات بغداد وإجراءات إدارية من جانب وزارة الزراعة من بغداد حصل المحتلون العرب على إجازة الادعاء بملكية أراضي الكورد.
ولو نظرنا، في الخريطة، إلى تلك الأراضي التي صودرت من قبل نظام صدام، سيتبين أنها من حيث المساحة والموقع كانت جزءاً من ستراتيجية التعريب والتطهير العرقي للكورد في هذه المدينة. لقد تمت مصادرة 1.2 مليون دونم من الأراضي، على شكل دائرة أو حزام أمني يطوق كركوك، وقد اغتصبها البعث من الكورد ومنحها للعرب، وخلال 14 سنة تبعن سقوط نظام صدام ولحين إعادة احتلال كركوك تمكن الكورد من العودة إلى جزء يسير منها، وقد جرى الآن إخلاء قسم من هذا الجزء منهم، ويخضع القسم الآخر للتهديد.
يأتي هذا بينما استعاد الفلاحون الكورد تلك الأراضي في إطار الإجراءات الدستورية ومراحل تنفيذ المادة 140 الدستورية، إضافة إلى أن مؤسسات دولة العراق الثلاثة: مجلس النواب، رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، وحتى مجلس الحكم، قرروا جميعاً إبطال وإلغاء جميع قرارات (مجلس قيادة الثورة)، أي أن الإجراءات الدستورية وقرارات المحاكم وإبطال قرارات النظام البعثي، هي التي أعادت حق تملك تلك الأراضي إلى الكورد، لكن ما يجري الآن هو مواصلة لستراتيجية البعث على مرأى من جميع مؤسسات الدولة وإدارتي كركوك وبغداد.
من جانب آخر، هناك عودة إلى صفحة قديمة (الاتفاق بين الكتل المشاركة في مجلس محافظة كركوك في 2 كانون الأول 2007 على إدارة المدينة بنسب متساوية لكل مكون، 32% لكل مكون) ويجري الآن فرض ذلك الاتفاق بالإفادة من ضعف موقف الكورد، وهكذا يسلبون الكورد الكثير من حصته لصالح الشيعة من التركمان في الغالب، وتتعمد بغداد تنفيذ هذه السياسة من خلال محافظ كركوك بالوكالة (راكان سعيد)، فهي بذلك تعمق الخلاف بين الكورد والسنة من جهة، ومن جهة أخرى تعمل عن طريق المجيء بالتركمان الشيعة على تعزيز النفوذ الشيعي في كركوك، ليكون ولاء هؤلاء على المدى البعيد لبغداد ولا يتطلعوا إلى تركيا ولا إلى الشراكة مع الكورد.
خلاصة الكلام هي ما الذي سيفعله الكورد وكيف سيتصدون لهذا التعريب الجديد الذي بدأ بعملية تطهير عرقي وبنفس الخطوات التي اتخذها البعث في البداية؟ اليوم، وبسبب غياب موقف كوردي موحد من كركوك، والأحداث التي تبعت 16 أكتوبر، وعدم اهتمام الإعلام الكوردي بالتهديدات والأخطار المحدقة بكركوك، فإن أبناء مدن إقليم كوردستان يجهلون ما يجري في كركوك، وربما لن يصدقوا إذا قيل لهم بأن الحكم الحالي لكركوك هو أشبه ما يكون بحكم أيام البعث.
الحقيقة هي أن كركوك تواجه وضعاً خطيراً، وبغداد تخطط وتعمل بدقة على كركوك، وهناك حتى بين القوى السياسية واللاعبين السياسيين الكورد في المدينة من هو ملتزم بستراتيجية بغداد ويعمل كل يوم على تثبيت موقع بغداد وإضعاف دور الكورد فيها. ستكون كركوك بعد أشهر قليلة في مواجهة عملية مصيرية هي انتخابات مجلس المحافظة، ولا يشترط أن تكرر بغداد ما فعلته في انتخابات مجلس النواب العراقي بكركوك من أجل حفظ التوازن، هذه المرة أيضاً، ولا يستبعد أن يتم ترسيخ العكس وبذلك سيتم إبعاد الكورد إلى الهامش لفترة طويلة.
باتت الطرق المؤدية إلى تعزيز قوة الكورد في هذه المدينة تضيق شيئاً فشيئاً، وإذا كان من الممكن تعديل معادلة كركوك من خلال توحيد موقف الكورد وصفّهم، في يوم من الأيام، فإن عملية الاحتلال الحالية قد قطعت شوطاً لن ينفع معه مجرد توحيد الصف الكوردي، وإذا كان ممكناً اليوم تعديل الوضع من خلال العثور على شريك، فإن هذه الورقة أيضاً لن تجدي بعد سنة من الآن. من المهم أن يفكر الكورد في أمر كركوك، وأن تبحث نخبة المجتمع، والنخبة المثقفة والمهتمون في القوى السياسية عن حل، وإلا فإن كركوك في تراجع لا محالة، وستجر الإقليم معها أيضاً.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً