العالم لا يحترم الآبار بل يحترم المؤسسات

منذ 15 ساعة
مقداد فيض الله
A+ A-

في عالم اليوم، لم يعد جواز السفر مجرد دفتر صغير يُبرز عند بوابات المطارات، بل صار مرآة دقيقة لقوة الدولة، وكفاءة مؤسساتها، واحترام العالم لمواطنيها. وبينما يتربع جواز سفر سنغافورة على قمة التصنيفات العالمية، يقف جواز العراق في مراتب متأخرة، رغم أن العراق يطفو فوق بحر من النفط والغاز والثروات الطبيعية، ويحتل موقعاً جغرافياً يكاد يكون قلب الشرق الأوسط.

المفارقة هنا ليست اقتصادية فحسب، بل سياسية وحضارية في جوهرها. فسنغافورة دولة صغيرة تكاد لا تُرى على الخريطة، بلا نفط، ولا أنهار كبرى، ولا ثروات معدنية هائلة. لكنها امتلكت شيئاً أكثر قيمة من الموارد الخام: دولة مؤسسات. منذ عقود، أدركت قيادتها أن الثروة الحقيقية ليست تحت الأرض، بل في الإنسان، والتعليم، والانضباط، والحوكمة، والقدرة على بناء سمعة دولية تجعل العالم يفتح أبوابه لمواطنيها بثقة واحترام.

أما العراق، فقصته أشبه بمأساة جغرافية. بلد يمتلك كل شيء تقريباً: النفط، الغاز، الأراضي الزراعية، المياه، الموقع الاستراتيجي، والتاريخ الحضاري الممتد آلاف السنين. لكنه عانى طويلاً من الحروب، والانقسامات، والفساد، وضعف الإدارة، حتى أصبح المواطن العراقي يدفع ثمن فشل الدولة في المطارات قبل أن يدفعه داخل وطنه.

قوة الجواز ليست امتياز سفر فقط؛ إنها تصويت عالمي على استقرار الدولة ومتانة مؤسساتها. فالعالم لا يقيس الدول بما تملكه من آبار نفط، بل بما تنتجه من استقرار، وقانون، وفرص، وثقة. ولهذا، استطاعت سنغافورة أن تحول مساحة صغيرة إلى مركز مالي عالمي، بينما ما يزال العراق، رغم موارده الهائلة، يبحث عن طريقه للخروج من دوامة الأزمات.

المؤلم في المقارنة أن العراق لا تنقصه الإمكانيات، بل تنقصه الإدارة التي تحوّل الإمكانيات إلى قوة حقيقية. فالتاريخ يثبت أن الموارد قد تصنع ثراءً مؤقتاً، لكنها لا تصنع هيبة الدول وحدها. الهيبة تُبنى عندما يشعر المواطن أن وطنه يحمله أينما ذهب، لا أن يظل مضطراً لحمل همّ الحدود والتأشيرات والشكوك في كل رحلة.

وربما تكمن أعظم المفارقات في أن سنغافورة صنعت قوتها من قلة مواردها، بينما مايزال العراق عاجزاً عن تحويل وفرة موارده إلى قوة تليق باسمه وتاريخه.

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

محمود بابان

أكبر تراجع لقطاع النفط في تاريخ العراق الحديث

تشهد كميات تصدير وإنتاج النفط في العراق وإقليم كوردستان يوماً بعد يوم تقلبات كبيرة، مع ميل أكبر نحو الانخفاض، نتيجة لإغلاق مضيق هرمز والغموض الذي يكتنف الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.