الكورد أمة ممزقة وهوية لا تموت

07-03-2025
أنور الجاف
A+ A-

الكورد هم إحدى أقدم المجموعات العرقية القومية في الشرق الأوسط وجذورهم ضاربة في عمق التاريخ متغلغلة في جغرافية تمتد عبر العراق وسوريا وتركيا وإيران، فضلاً عن انتشارهم في بعض الدول المجاورة. 

وعلى الرغم من أن الكيان القومي الكوردي لم يتجسد في دولة مستقلة معترف بها بيد أن هذه الأمة بقيت متماسكة بثقافتها ولغتها وتقاليدها وتجذرها على ارضها، وعلى الرغم من العقود الطويلة من القمع والتقسيم والتلاعب السياسي الذي فرض عليهم، أصبحوا ضحايا الخرائط التي رسمتها القوى الاستعمارية والتي وزعت وطنهم التاريخي بين عدة دول دون أن تمنحهم فرصة تقرير مصيرهم.

فلم تكن كوردستان مجرد بقعة جغرافية متناثرة بل هي موطن أصيل لأمة احتفظت بلغتها رغم كل محاولات الطمس والاندماج القسري. ان اللغة الكوردية التي تعود إلى العائلة الهندو - أوروبية من أكثر الأدلة وضوحا على وحدة الشعب الكوردي مع تعدد لهجاتها فهي لم تكن مجرد أداة تواصل بل حملت معها التاريخ والتراث والأدب والهوية القومية وواجهت تحديات كبرى من التتريك والتعريب والتفريس، ولكنها بقيت صامدة في وجدان الشعب متجددة في شعره وأغانيه وأساطيره وملاحمه.

وإن الغنى الثقافي للمورد لم يكن مقتصرًا على البعد اللغوي فقط بل انعكس في تعدديتهم الدينية والمذهبية وهو ما جعلهم نموذجا حقيقيا للتعايش الذي لم تصنعه السياسات بل فرضه واقعهم التاريخي، فمنذ قرون طويلة عاش بينهم المسلم والمسيحي واليهودي والأرمني والشركسي وغيرهم كما شكلت الديانات القديمة مثل الزرادشتية والايزدية والكاكائية جذورا روحية متأصلة في الهوية الكوردية. 

لم يكن الإيمان بالنسبة للكورد حاجزا للتفرقة بل عاملا إضافيا أثرى نسيجهم الاجتماعي، للأسف أن هذا التعدد قد استُغل سياسيا لخلق الفرقة داخل الأمة الواحدة، لتُزرع بذور الشك بين مكونات كانت في الأصل متسالمة متشابكة ومتآلفة.

ففي العراق كان الوجود الكوردي واضحا منذ فجر التاريخ، ليس فقط كلغة وشعب بل أيضا كأرض وتاريخ وممالك قديمة ازدهرت في شمال وادي الرافدين. ولم يكن الكورد في يوم من الأيام طارئين أو دخلاء على هذه الجغرافية بل كانوا أحد الأعمدة الأساسية في تشكيل الحضارات التي قامت في المنطقة. ومع ذلك كانت السياسة الحديثة قاسية عليهم، إذ لم تكتف بحرمانهم من حقهم القومي بل سعت إلى تفكيك نسيجهم الاجتماعي فأصبح الكوردي المسلم يُعامل بمعايير مختلفة عن الكوردي الايزدي أو المسيحي، وتزايدت محاولات عزل الشبك والكاكائيين ولو أن التاريخ والجغرافية يشهدان بأنهم جميعا أبناء أمة واحدة.

ان النكبات التي تعرض لها الكورد لم تقتصر على فقدان وطن مستقل بل امتدت إلى حملات الإبادة والتهجير والتغيير الديموغرافي بدءا من مذابح الدولة العثمانية، وصولًا إلى عمليات الأنفال في العراق وقصف المدن الكوردية في سوريا والتنكيل بالحقوق في تركيا وإيران. وفوق ذلك لم يخلُ التاريخ الكوردي من مقاومات متكررة ضد الظلم فكأن هذه الأمة قد كُتب عليها أن تبقى في صراع دائم بين الوجود والفناء. ومع ذلك بقي الكورد قادرين على النهوض في كل مرة، يحملون معهم أحلامهم رغم تبددها، ويبنون من ركام القرى المحروقة قصائد عن الحرية، ومن جراحهم أناشيد عن المستقبل.

إن الجغرافية السياسية التي فُرضت على الكورد لم تفرقهم فقط كدولة بل حاولت تفتيتهم داخليا فأصبح الكوردي الايزدي يُعامل على أنه أقل انتماءً إلى قوميته، مع أن كل تفاصيل حياته تعكس كورديته، وكذلك الأمر مع الشبك الذين حاولت بعض القوى دفعهم نحو هوية منفصلة رغم أن لغتهم وتقاليدهم تثبت بوضوح أنهم جزء أصيل من النسيج الكوردي، والكاكائيون الذين حاول البعض تقديمهم كمجموعة دينية منفصلة عن الانتماء القومي بينما أن جلّ شيوخهم وشعرائهم لطالما تغنّوا بكورديتهم وحتى المسيحيون الكورد واليهود الذين نزحوا من كوردستان نحو الشتات لم يكونوا يوما خارج الهوية الكوردية رغم أنهم جُردوا منها قسرا عبر القرارات السياسية.

وعلى عكس كل التحديات التي واجهتها الأمة الكوردية بقي الكورد يشكلون اليوم رابع أكبر مجموعة عرقية في الشرق الأوسط بعد العرب والفرس والترك ومع ذلك فهم ما يزالون الأقل حظا في الحصول على كيان سياسي يعبر عن وجودهم ، إذ تظل كوردستان ممزقة بين حدود أربع دول تتعامل مع القضية الكوردية باعتبارها مسألة أمنية لا مسألة قومية مشروعة. 

وبينما حصلت بعض الشعوب على استقلالها في مراحل مختلفة من التاريخ الحديث بقي الكورد تحت وطأة التفاهمات الدولية التي لم تمنحهم سوى حقوق محدودة، بل وأحيانا مشروطة بسياسات القوى الكبرى.

وإذا كان الحديث عن التنوع داخل الأمة الكوردية مهما فمن الضروري الإشارة إلى الكورد الفيليين الذين يحملون اسمهم من منطقتهم التاريخية، حيث تعرضوا عبر عقود طويلة لمحاولات طمس لهويتهم وتغيير انتمائهم القومي تماما كما جرى مع مجموعات أخرى من الكورد الذين قُسموا وفق سياسات الدول التي يعيشون فيها. هؤلاء، كما هو حال الشبك والإيزديين والكاكائيين لم يكونوا يومًا خارج الإطار القومي الكوردي، لكنهم دفعوا ثمن السياسات التي سعت إلى تجزئة القومية الكوردية إلى هويات فرعية يمكن التلاعب بها وفقا للمصالح السياسية.

وفي ظل هذا الواقع لا يمكن تجاهل أن كل محاولات دمج الكورد ضمن الدول التي يتوزعون فيها لم تنجح في محو هويتهم رغم استخدام أساليب القهر السياسي والاقتصادي فعلى الرغم من أن البعض يعتقد أن إقليم كوردستان العراق يمثل نموذجا للكيان الكوردي إلا أن الحقيقة أكثر تعقيدا، فالإقليم محاط بالضغوطات من كل الجهات ويتعرض لهجمات عسكرية متكررة ويُفرض عليه حصار اقتصادي يجعل من الاستقلال الحقيقي أمرا نظريا أكثر منه واقعا، أما في سوريا فالكُورد يواجهون معضلة الوجود ذاته، إذ يتم التعامل معهم كورقة ضغط إقليمية وليس ككيان له حقوقه المشروعة. في تركيا وإيران رغم الخطاب الرسمي حول التنوع ما تزال السياسات القمعية تحكم التعامل مع الكورد، فهم دوما إما مصدر تهديد أو أداة يمكن استخدامها وفقا لمقتضيات اللحظة السياسية.

وإذا كان العالم قد اعتاد التعامل مع الكورد باعتبارهم مشكلة أمنية أو سياسية فمن الأولى أن يُنظر إليهم كأمةٍ لها حقها في تقرير مصيرها تماما كما أُعطيت شعوب أخرى في الشرق الأوسط الفرصة لتشكيل دولها وهوياتها. إذ لا يمكن تحقيق الاستقرار في المنطقة دون الاعتراف بحقيقة أن هذه الأمة رغم تمزقها ماتزال متماسكة في ثقافتها وتطلعاتها وحقوقها التي لا تسقط بالتقادم ولا تذوب تحت أي مخطط يُراد له أن يجعلها منسية.

صفوة القول، إن القومية الكوردية ليست مجرّد قضية سياسية بل هي امتداد لحضارةٍ كانت وستظل قائمة مهما حاولت الخرائط والحدود طمسها او طمس معالمها.

 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

نزار خورشيد عقراوي

ما بعد المهلة.. بين صفقة مؤجلة وانفجار محتمل

سأستهلّ هذا المقال بسؤالٍ لم يعد مجرد تساؤلٍ تحليلي، بل تحوّل إلى هاجسٍ دولي يفرض نفسه على مراكز القرار كما على الرأي العام، وتكاد تتوقف على إجابته ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة، وربما ما يتجاوزها: هل ستقود تهديدات ضرب البنية التحتية في إيران إلى صفقة تعيد ضبط التوازنات أم إلى انفجار إقليمي واسع قد تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط؟.