إشكالية المصطلح في الخطاب السياسي الكوردي السوري

07-02-2026
كاميران حاج عبدو
الكلمات الدالة روجافا كوردستان
A+ A-
تلعب اللغة السياسية دوراً مركزياً في تشكيل الوعي الجمعي وتحديد أطر المطالب والحقوق وصياغة العلاقة بين الشعوب والدول، إذ لا تُعدّ المصطلحات أدوات وصف محايدة، بل حوامل للمعنى السياسي والقانوني والتاريخي، وغالباً ما تتحول إلى وسائل لإعادة إنتاج أنماط الهيمنة أو مقاومتها. 
 
وفي السياق الكوردي السوري، تبرز إشكالية دقيقة تتمثل في استخدام بعض الأحزاب الكوردية أو بعض قيادات تلك الأحزاب لمصطلح "المناطق ذات الغالبية الكوردية" لوصف المناطق التي يعيش فيها الشعب الكوردي، رغم أن البرامج السياسية لهذه الأحزاب نفسها تقرّ بأن هذه المناطق تشكّل جزءاً من الموطن التاريخي للكورد - كوردستان، والتي أُلحقت بالدولة السورية الحديثة بفعل ترتيبات سياسية دولية قسرية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. هذا التناقض بين الخطاب المعلن والخطاب الممارس لا يمكن فهمه بوصفه مجرد زلّة لغوية، بل هو في الواقع تعبير عن إشكال فكري أعمق يتصل بكيفية تصور العلاقة بين الأرض والهوية، وبين الحقوق القومية ومنطق الدولة الوطنية الحديثة.
 
إن توصيف مناطق الوجود الكوردي على أنها "مناطق ذات غالبية كوردية" يحيل إلى منطق ديمغرافي إحصائي متحوّل، يربط هوية المكان بتوازنات سكانية ظرفية قابلة للتبدل بفعل الهجرة أو السياسات الحكومية أو التحولات الاجتماعية أو حتى التهجير القسري، في حين أن توصيفها بوصفها "أرضاً تاريخية" يستند إلى علاقة عضوية تراكمية بين الشعب والمكان، تقوم على الاستمرارية الثقافية والاجتماعية والتاريخية، ولا تُختزل في أرقام سكانية قد تتغير حسب الظروف والسياسات وممارسات الأنظمة الحاكمة. ومن هنا، فإن الانتقال من منطق الأرض التاريخية إلى منطق الغالبية العددية لا يمثل مجرد تغيير اصطلاحي، بل ينطوي على تحوّل مفاهيمي يعيد تعريف الوجود الكوردي ذاته، من كونه وجود شعب أصيل إلى كونه حالة سكانية قابلة لإعادة التصنيف والتأويل السياسي.
 
تتضح خطورة هذا التحول عند مقارنته بطريقة توصيف بقية الجغرافية السورية في الخطاب السياسي العام. فإذا كانت مناطق مثل كوباني، سري كانيه، قامشلو، ديريك، وعفرين تُوصَف بأنها "مناطق ذات غالبية كوردية"، فهل يمكن، وفق المنطق نفسه، توصيف دمشق أو اللاذقية أو حماة بأنها "مناطق ذات غالبية عربية"؟ من الواضح أن هذا النمط من التوصيف لا يُستخدم في الحالة الأخيرة، إذ تُقدَّم تلك المدن بوصفها فضاءات طبيعية لـ"الدولة العربية السورية"، بما يتضمن اعترافاً ضمنياً بعلاقة تاريخية وثقافية بين السكان والأرض، وإضفاء صفة العروبة على تلك المدن، بالرغم من التواجد الكوردي الأقلياتي فيها. هذا التفاوت في التوصيف يكشف خللاً بنيوياً في التعامل مع الجغرافية الكوردية، حيث يُنزَع عنها بعدها التاريخي وتُختزل في توصيف ديمغرافي، وهو في الأصل مصطنع نتيجة السياسات التمييزية التي مارستها السلطات، إلى جانب الهجرات الطبيعية المتعلقة بالبحث عن المراعي والأراضي الزراعية. في المقابل، تُمنح بقية الجغرافية توصيفات ذات طابع هوياتي ثابت، وهو ما يعيد إنتاج أنماط التهميش الرمزي للكورد في صيغة لغوية ناعمة وغير مباشرة.
 
ولا يقف أثر هذا الاختزال عند حدود الخطاب، بل يمتد إلى المجالين القانوني والسياسي. فوفق المواثيق الدولية، ثمة فارق جوهري بين حقوق أقلية قومية تعيش ضمن دولة قومية قائمة، وبين حقوق شعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية التي أُلحقت بدولة أخرى دون إرادته. ففي الحالة الأولى، تُحصر الحقوق غالباً في مجالات ثقافية ولغوية ومدنية محدودة، بينما تتسع في الحالة الثانية لتشمل، من حيث المبدأ، حقوقاً جماعية أعمق، من بينها أشكال مختلفة من تقرير المصير، والاعتراف القانوني بالهوية القومية، والحقوق في الأرض والحكم الذاتي والتنمية المتوازنة.
 
ومن ثم، فإن توصيف الوجود الكوردي في سوريا بوصفه "غالبية" في بعض المناطق بدلاً من كونه وجود شعب أصيل على أرضه التاريخية يؤدي عملياً إلى تقييد المطالب الكوردية وحصرها ضمن سقف محدود، وإعادة تأطير القضية الكوردية ضمن إطار حقوق الأقليات، لا ضمن إطار حقوق الشعوب، وهو تحول لا يخدم فقط الخطاب الرسمي للدولة المركزية، بل يضعف أيضاً الأساس الحقوقي للنضال الكوردي ذاته عبر تفريغه من بعده التاريخي التحرري، ويترتب عليه آثار استراتيجية بعيدة المدى على مستقبل النضال الكوردي في سوريا.
 
قد يقول بعضهم إن تبني تلك القيادات لهذا النمط من الخطاب يأتي في إطار السياق السياسي العام الذي تتحرك فيه، مع الأخذ في الاعتبار الضغوط المختلفة مثل سياسات الدولة المركزية، والخوف من الاتهام بالانفصال، ومتطلبات "الشرعية الوطنية" داخل الإطار السوري القائم، وحسابات التحالفات الداخلية والإقليمية. ومع ذلك، يظل هذا السلوك خياراً انتهازيّاً انتقائياً وتملقاً من قبل تلك القيادات على حساب الحقائق التاريخية والحقوق القومية للشعب الكوردي. فهذا التكيّف الخطابي، مهما بدا مبرراً من منظور براغماتي، إلا أنه حين يتم على حساب الوقائع التاريخية والجغرافية، يتحول من أداة مؤقتة إلى نمط دائم من الإنكار الذاتي، ويُفضي إلى إعادة إنتاج المنظومة المفاهيمية التي أنكرت على الكورد وجودهم القومي لعقود طويلة، لا عبر سياسات الإنكار والاضطهاد فقط، بل عبر إعادة تعريفهم ضمن أطر لغوية تقلّص من مضمون قضيتهم وتعيد ضبطها داخل حدود الدولة المركزية أحادية الهوية.
 
إن السياسي، سواء كان حزبياً أم مستقلاً، لا يملك الحق في التعامل مع المصطلحات بوصفها شأناً شكلياً أو لغوياً محضاً، لأن الكلمات في المجال العام ليست مجرد وسائط للتعبير، بل أدوات لتشكيل الشرعية وتحديد الممكن والمستحيل في المجال السياسي. ومن ثم، فإن الإصرار من قبل بعض القيادات الحزبية على استخدام توصيفات لا تنسجم مع الوقائع التاريخية ولا مع البرامج السياسية التي أقرتها مؤتمرات تلك الأحزاب نفسها، لا يمكن تفسيره فقط بالجهل أو السهو، بل يبدو أقرب إلى خيار واعٍ يعكس استعداداً لإعادة تعريف القضية الكوردية بوصفها مسألة ديمغرافية داخل الدولة السورية، لا قضية شعب أصيل صاحب حق تاريخي في أرضه وهوّيته ومصيره.
 
إن تجاوز هذه الإشكالية لا يقتصر على تصحيح لغوي أو تعديل اصطلاحي، بل يتطلب مراجعة فكرية عميقة لأسس الخطاب السياسي الكوردي في سوريا، بما يعيد الاعتبار للعلاقة العضوية بين الأرض والهوية، ويؤسس لمطالب قومية تستند إلى حق تاريخي وقانوني واضح، لا إلى توصيفات عددية قابلة للتسييس والتفريغ. فالقضية الكوردية في جوهرها ليست قضية أقلية قومية تعيش في "مناطق ذات غالبية كوردية" داخل سوريا، بل قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية ويسعى إلى انتزاع اعتراف كامل بحقه في الوجود الحر والكرامة والسيادة على مصيره، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا عبر خطاب واعٍ بدلالات كلماته، منسجم مع حقائقه التاريخية، ومحصّن ضد إعادة إنتاج أنماط الإنكار تحت غطاء لغوي جديد.
 
إن مواجهة التحديات الراهنة لحقوق ووجود الشعب الكوردي لا تقتصر على التصدي للسياسات المعيقة لحقوقه من قبل الأنظمة المتعاقبة، بل يجب أن تمتد أيضاً وربما أولاً إلى معالجة الانتهازية والتقزيم الذاتي للقضية الكوردية التي تمارس من قبل البعض داخل صفوف الحركة الكوردية، مما يقيد مطالب شعبنا التاريخية ويضعف فرص اعترافه الكامل بحقوقه ووجوده الحر.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب